ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

143

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ( الشورى : 52 ) وقال تعالى : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ( الضحى : 6 - 8 ) وتفسير هذه الآية بالآية التي في آخر سورة الشورى . إذا كان أعقل الخلق على الإطلاق إنما حصل له الهدى بالوحي كما قال تعالى : قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ( سبأ : 50 ) فكيف يحصل لسفهاء العقول واخفاء الأحلام ، الاهتداء إلى حقائق الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الوحي ، حتى اهتدوا بتلك الهداية إلى المعارضة بين العقل ونصوص الأنبياء لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا . تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( مريم : 89 - 90 ) . الوجه الخامس والأربعون : إن اللّه سبحانه إنما أقام الحجة على خلقه بكتابه ورسله فقال تعالى : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( الفرقان : 1 ) وقال تعالى : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ( الأنعام : 19 ) فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة اللّه وقال تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ( النساء : 165 ) ، وقال تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( الإسراء : 15 ) ، وقال تعالى : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ؟ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ . وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ . فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ ( الملك : 8 - 11 ) فلو كان كلام اللّه ورسوله لا يفيد اليقين والعلم ، والعقل معارض له ، فأي حجة تكون قد قامت على المكلفين بالكتاب والرسل ؟ وهل هذا القول إلا مناقض لإقامة حجة اللّه بكتابه من كل وجه ؟ .