ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
132
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم : من يعيدنا إذا استحالت أجسامنا وفنيت ؟ فأجابهم بقوله : قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وهذا الجواب نظير جواب قول السائل مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ فلما اخذتهم الحجة ولزمهم حكمها ، انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به كما يتعلق المقطوع بالحجاج بذلك وهو قولهم مَتى هُوَ ؟ فأجيبوا بقوله : عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً . يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا . ومن هذا قوله تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ؟ أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ، أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( القيامة : 36 - 40 ) . فاحتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملا معطلا عن الأمر والنهي ، والثواب والعقاب ؛ وإن حكمته وقدرته تأبى ذلك ، فإن من نقله من نطفة منى ومن المنى إلى العلقة ، ثم إلى المضغة ، ثم خلقه ، وشق سمعه وبصره ، وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع ، والأعصاب والرباطات التي هي أشد ، وأتقن خلقه وأحكمه غاية الإحكام ، وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال ، كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية ؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته أن يتركه سدى ؟ فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته . فانظر إلى هذا الحجاج العجيب بالقول الوجيز ، والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ، ومأخذه القريب الذي لا تقطع الظنون على أقرب منه . وكذلك ما احتج به سبحانه على النصارى مبطلا لدعوى إلهية المسيح كقوله لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ( الأنبياء : 17 ) فأخبر تعالى أن هذا الذي أضافه من نسب الولد إلى اللّه من مشركي العرب والنصارى غير سائغ في العقول إذا تأمله المتأمل . ولو أراد اللّه أن يفعل هذا لكان يصطفي لنفسه ، ويجعل هذا الولد المتخذ من الجوهر الأعلى السماوي