ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

133

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

الموصوف بالخلوص والنقاء من عوارض البشر ، والمجبول على الثبات والبقاء ، لا من جواهر هذا العالم الفاني الكثير الأدناس والأوساخ والأقذار . ولما كان هذا الحجاج كما ترى في هذه القوة والجلالة أتبعه بقوله بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ( الأنبياء : 18 ) . ونظير هذا قوله تعالى لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( الزمر : 4 ) وقال تعالى : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ، انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( المائدة : 75 ) : وقد تضمنت هذه الحجة دليلين يبطلان إلهية المسيح وأمه . ( أحدهما ) حاجتهما إلى الطعام والشراب وضعف بنيتهما عن القيام بنفسهما ، بل هي محتاجة فيما يعينهما إلى الغذاء والشراب ، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها إذ من لوازم الإله أن يكون غنيا . ( الثاني ) أن الذي يأكل الطعام يكون منه ما يكون من الإنسان من الفضلات القذرة التي يستحى من التصريح بذكرها . ولهذا - واللّه أعلم - عبر اللّه سبحانه عنها بلازمها من أكل الطعام الذي ينتقل الذهن منه إلى ما يلزمه من هذه الفضلة ، فكيف يليق بالرب سبحانه أن يتخذ صاحبة وولدا من هذا الجنس ، ولو كان يليق به ذلك أو يمكن لكان الأولى به أن يكون من جنس لا يأكل ولا شرب ، ولا يكون منه الفضلات المستقذرة . من ذلك قوله تعالى : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( الزخرف : 17 - 18 ) احتج سبحانه على هؤلاء الذين جعلوا له البنات بأن أحدهم لا يرضى بالبنات ، وإذا بشر أحدهم بالأنثى حصل له من الحزن والكآبة ما ظهر منه السواد على وجهه ، فإذا كان أحدكم لا يرضى بالإناث بناتا فكيف تجعلونها لي كما قال تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ ( النحل : 62 ) .