ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

108

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

وإنما أراد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه ذلك باستعارة بعيدة . فأزال الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم وجعل بدله الدواء الّذي ظن أنه قصده الطبيب ، وقال للناس : هذا هو الذي قصده الطبيب الأول فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه ذلك المتأول ، ففسدت به أمزجة كثيرة من الناس ، فجاء آخرون فشعروا بإفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول ، فعرض للناس نوع من المرض غير النوع الأول . فجاء ثالث فتأول في أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني ، فعرض للناس نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين . فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة فعرض للناس نوع رابع من الأمراض غير الأمراض المتقدمة ، فلما طال الزمان بهذا الدواء المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويته وغيرها وبدلوها ، عرض للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس . وهذه هي حال الفرقة الحادثة في الشريعة مع الشريعة . وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلا غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى ، وزعمت أنه الذي قصده صاحب الشرع ، حتّى تمزق الشرع كل ممزق وبعد عن موضوعه الأول . ولما علم صاحب الشرع صلى اللّه عليه وسلم أن هذا سيعرض في شريعته قال : « ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة » « 1 » .

--> ( 1 ) ( حسن الإسناد وهو صحيح لغيره ) ورد هذا الحديث من عدة طرق فقد أخرجه أبو داود ( 4597 ) ، والإمام أحمد ( 4 / 102 ) ، والدارمي ( 2 / 241 ) ، والحاكم ( 1 / 128 ) ، والآجري في « الشريعة » ( 18 ) ، الإلكائى في « شرح الاعتقاد » عن معاوية رضي اللّه عنه ، ورواه ابن ماجة ( 3993 ) ، والآجري ( ص 16 ) عن أنس ، ورواه أيضا ابن ماجة ( 3992 ) ، وابن أبي عاصم ( 63 ) ، واللالكائي ( 149 ) عن عوف بن مالك الأشجعي ، ورواه الترمذي ( 2778 ) ، والآجري ( ص 15 ) ، وابن حبان ( 1834 - موارد ) ، والحاكم ( 1 / 128 ) عن أبي هريرة . قال الحاكم : هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث ووافقه الذهبي أه وقال الحافظ في « تخريج الكشاف » : إسناده حسن أه ، وذكره الألباني في « الصحيحة » ( 204 ) وله فيه بحث جيد فقها ومصطلحا فليراجع .