ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
102
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ أي ما نقصنا الآباء بهذا الاتباع شيئا من عملهم ، بل رفعنا الذرية إليهم قرة لعيونهم وإن لم يكن لهم أعمال يستحقون بها تلك الدرجة . منها قوله : كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ فلا يتوهم متوهم أن هذا الاتباع حاصل في أهل الجنة وأهل النار ، بل هو للمؤمنين دون الكفار ، فإن اللّه سبحانه لا يعذب أحدا إلا بكسبه وقد يثيبه من غير كسبه . ومنها قوله : يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً ( الأحزاب : 32 ) فلما أمرهن بالتقوى التي شأنها التواضع ولين الكلام نهاهن عن الخضوع بالقول لئلا يطمع فيهن ذو القلوب المرضى ثم أمرهن بعد ذلك بالقول المعروف دفعا لتوهم الإذن في الكلام المنكر . لما نهين عن الخضوع بالقول . ومنه قوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ( البقرة : 187 ) فرفع توهم فهم الخيطين من الخيوط بقوله مِنَ الْفَجْرِ . ومن ذلك قوله تعالى : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( التكوير : 28 ) فلما أثبت لهم مشيئة فلعل متوهما يتوهم استقلالهم بها فأزال سبحانه ذلك بقوله وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ونظير ذلك قوله تعالى : كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( المدثر : 54 - 65 ) . ومن ذلك قوله تعالى : وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ( التوبة : 111 ) فلعل متوهما أن يتوهما أن اللّه يجوز عليه ترك الوفاء بما وعد به فأزال ذلك بقوله : وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ( التوبة : 111 ) . ومن ذلك قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ( الأنعام : 158 ) فلما ذكر إتيانه سبحانه ربما توهم أن المراد إتيان بعض آياته أزال هذا الوهم ودفعه بقوله : أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ فصار الكلام مع هذا التقسيم والتنويع نصا صريحا في معناه لا يحتمل غيره .