الغزالي

90

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

ومحسوسات ومقبولات ومشهورات . فأما المعقولات : فما لا يدرك إلا بالعقل على التجريد كعلمنا أن الضدين لا يجتمعان ، وأن الشيء لا يصح أن يكون متحركا ساكنا في حال واحدة وأن الواحد قبل الاثنين ، وأن الحادث له أول وأن ما كان مع الحوادث معية زمانية فهو حادث فكل ما لا تدريه إلا من جهة العقل . وأما المحسوسات : فما تدريه من جهة الحواس الخمس كالفرق بين الألوان والفرق بين الطعوم وبين الملموسات ، والفرق بين المسموعات ، والفرق بين المشمومات ، والفرق بين المذوقات . وأما المشهورات : فهي العادات الراجعة إلى عادات الخلق والبلاد والأمم والأزمنة ، كعادة الناس في اللباس والفرح والأغاني والأحاديث والسير الكريمة كترك الظلم وبر الوالدين وشكر المنعم والكف عن الجار والنصفة من الظالم وإفشاء السلام التي هي الآن متممات الأحكام الشرعية ، وهي من قبل الرسل تعقل . وقد كانت العرب وسائر الأمم السالفة كالهند وغيرهم يستنون بذلك . وعلى الجملة : لكل أمة ملك يحمي من الظلم وبذلك قوام العالم . أما المقبولات : فما أخذ من طريق الأخبار وهو كل ما يخبر به العدل الثقة أو الثقات فمتى ورد عليك شيء من أي علم كان وفرع سمعك ، أو أورد عليك فانظر وسل من أي قبيل هو من هذه الأربعة أقسام . فأما العقليات فلا تتبدل أحكامها عما هي عليه في العقل . والمحسوسات لا تتبدل ولكن يتطرق إليها الغلط بآفات تحدث في الآلات الجسمانية . وأما المقبولات والمشهورات ، فغير موثوق بها فإنها تختلف باختلاف الأمم والبلاد وحالات الأشخاص ، فألحق كل قبيل بقبيله وميزه من سواه فلا تغلط أبد الآباد ، فما قام عندك من دليل عقل أو حس على شيء وتصححت أجزاء حده وبرهانه وتبرهن لك البرهان على صحة تلك الأجزاء والبرهان تبرهن به على مطلوبك فهو برهان حق ، وما ورد عليك مما سوى ذلك فأنزله على مرتبته فلا تعد شيئا من حده ولا تجعل المقبول معقولا ولا المعقول مقبولا ولا المشهور محسوسا ولا المحسوس مشهورا . ثم انظر كيف مأخذ المقبول مثل أن القرآن معجزة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فتعلم قطعا أن هذا القرآن مأخوذ عن نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ابن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم الكائن بمكة صلى اللّه عليه وسلم ، وكذلك تعلم وجوده وسيرته المستفيضة . وأما الأحكام ، فمآخذها مقبولة ولا يلزم أن تبرهن لنا لأن الخلق محتاجون إليها ، ولو أدركوا الأحكام بعقولهم لما كانت فائدة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وإذا لم يكن في عقولهم استقلال بها أولا فكذلك آخرا إذا اتصلت بهم ، فلذلك لم يطلب أن يقوم على الأحكام برهان . وهذا منتهى ما أردنا أن نشير به من المدخل إلى العلوم الإلهية وننبه به على الأسرار الروحانية فإن ساعد الدهر السليم ، والغريزة المعتدلة على إلحاق ما في معناه به كفي