الغزالي

9

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

باب في حكمة الشمس قال اللّه سبحانه : وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [ نوح : 16 ] . اعلم أن اللّه سبحانه خلق الشمس لأمور لا يستكمل علمها إلا اللّه وحده ، فالذي ظهر من حكمته فيها أن جعل حركتها لإقامة الليل والنهار في جميع أقاليم الأرض . ولولا ذلك لبطل أمر الدين ، أو لولاه كيف كان يكون الناس يسعون في معايشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم ، وكيف كانوا يتهنون بالعيش مع فقدهم لذة النور ومنفعته ولولا ضياء نورها ما انتفع بالأبصار ولم تظهر الألوان ، وتأمل غروبها وغيبتها عمن طلعت عليهم وما في ذلك من الحكمة ، ولولاه لم يكن للخلق هدوء ولا قرار مع شدة حاجتهم إلى الهدوء وراحة أبدانهم وخمود حواسهم وانبعاث القوة الهاضمة لهضم طعامهم وتفنيد الغذاء ، ثم كان الحرص لحملهم على مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم مكانته في أبدانهم ، فإن أكثر الحيوانات لولا دخول الليل ما هدؤوا ولا قروا من حرصهم على نيل ما ينتفعون به ، ثم كانت الأرض تحمى بدوام شروق الشمس واتصاله حتى يحترق كل ما عليها من الحيوانات والنباتات ، فهي بطلوعها في وقت غروبها في وقت في النور بمنزلة سراج لأهل بيت يستضاء به وقتا ويغيب وقتا ليهتدوا ويقروا ، وهي في حرها بمنزلة نار يطبخ بها أهل الدار حتى إذا كمل طبيخهم واستغنوا عنها أخذها من جاورهم ، وهو يحتاج إليها فينتفع حتى إذا قضى حاجته سلمها لآخرين ، فهي أبدا منصرفة في منافع أهل الأرض بتضاد النور والظلمة على تضادهما متعاونين متظافرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ، وإلى هذه القضية الإشارة بقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [ القصص : 71 ] . ثم بتقدمها وتأخرها تستقيم الفصول فيستقيم أمر النبات والحيوان ، ثم انظر إلى مسيرها في فلكها في مدة وهي تطلع كل يوم وتغرب بسير آخر سخر لها بتقدير خالقها فلو لا طلوعها وغروبها لما اختلف الليل والنهار ولما عرفت المواقيت . ولو انطبق الظلام على الدوام لكان فيه الهلاك لجميع الخلق ، فانظر كيف جعل اللّه الليل سكنا ولباسا والنهار معاشا ، وانظر إلى إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل وإدخاله الزيادة والنقصان عليهما على الترتيب المخصوص ، وانظر إلى إمالة سير الشمس حتى اختلف بسبب ذلك الصيف والشتاء ، فإذا انخفضت من وسط السماء برد الهواء وظهر الشتاء . وإذا استوت وسط السماء اشتد القيظ ، وإذا كانت فيما بينهما اعتدل الزمان فيستقيم بذلك أمر النبات والحيوان بإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وأما ما في ذلك من المصلحة ، ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات فيتولد فيه مواد الثمار ويستكشف الهواء ، فينشأ منه السحاب والمطر ، وتشتد أبدان الحيوان وتقوى أفعال الطبيعة ، وفي الربيع تتحرك الطبائع في المواد المتولدة في الشتاء فيطلع النبات بإذن اللّه وينور الشجر ، وتهيج أكثر الحيوانات للتناسل ، وفي الصيف يخمد الهواء فينضج الثمار وتنحل فضول الأبدان ، ويجف وجه الأرض