الغزالي

10

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

فتتهيأ لما يصلح لذلك من الأعمال ، وفي الخريف يصفو الهواء فترتفع الأمراض ويمتد الليل فيعمل فيه بعض الأعمال وتحسن فيه الزراعة ، وكل ذلك يأتي على تدريج ، وبقدر حتى لا يكون الانتقال دفعة واحدة إلى غير ذلك مما يطول لو ذكر . فهذا مما يدلك على تدبير الحكيم العليم وسعة علمه ، ثم تفكر في تنقل الشمس في هذه البروج لإقامة دور السنة ، وهذا الدور هو الذي يجمع الأزمنة الأربعة : الشتاء والصيف والربيع والخريف وتسير فيها على التمام وفي القدر من دوران الشمس يدرك الغلات والثمار وتنتهي غاياتها ، ثم تعود فتستأنف وقت السير وبمسيرها تكمل السنة ويقوم حساب السنة على الصحة على التاريخ بتقدير الحكيم العليم . تأمل إشراق الشمس على العالم كيف دبره تبارك وتعالى ، فإنها لو بزغت في موضع واحد لها لا تعدوه لما وصل شعاعها إلا إلى جهة واحدة وخلت عنها جميع الجهات فكانت الجبال والجدران تحجبها عنها ، فجعلها سبحانه تشرق بطلوعها أول النهار من المشرق فيعم شروقها ما يقابلها من جهة المغرب ، ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى الغرب على ما استتر عنها أول النهار ، فلا يبقى موضع حتى يأخذ بقسطه منها ، ثم انظر إلى مقدار الليل والنهار كيف وقتهما سبحانه على ما فيه صلاح العالم فصارا بمقدار لو تجاوزاه لأضرا بكل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات ، أما الحيوان فكان لا يهدأ ولا يقر ما دام يجد ضوء النهار وكانت البهائم لا تمسك عن الرعي فيئول أمرها إلى تلفها ، وأما النبات فتدوم عليه حرارة الشمس وتوهجها فيجف ويحترق ، وكذلك الليل لو امتد مقداره أيضا لكان معوقا لأصناف الحيوان عن الحركة والتصرف في طلب المعاش ، وتجمد الحرارة الطبيعية من النبات فيعفن ويفسد كالذي يحدث على النبات إذا كان الموضع لا تقع الشمس عليه . باب في حكمة خلق القمر والكواكب قال اللّه سبحانه وتعالى : تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً [ الفرقان : 61 ] . اعلم وفقك اللّه أن اللّه سبحانه وتعالى لما جعل الليل لبرد الهواء وهدوء الحيوان وسكونه ، فلم يجعله سبحانه ظلمة داجية لا ضياء فيها البتة فكان لا يمكن أن يعمل عملا فيه . وربما احتاج الناس إلى بعض أعمالهم في الليل إما لضرورة أو لضيق وقت عليهم من النهار ، وقد يقع ذلك لشدة حرارة أو لغيره من الأسباب ، فكان ضوء القمر في الليل من جملة ما نحتاج إليه في المعونة على ذلك فجعل طلوعه في بعض الليالي ، وينقص نوره عن نور الشمس وحرها لئلا ينشط الناس في العمل نشاطهم في النهار فينعدم ما به يتمتعون من الهدوء والقرار فيضر ذلك بهم ، وجعل في الكواكب جزء من النور يستعان به إذا لم يكن ضوء القمر ، وجعل في الكواكب زينة السماء وأنسا وانشراحا لأهل الأرض شيئا ما ألطف هذا التدبير ، وجعل الظلمة دولة ومدة للحاجة إليها . وجعل