الغزالي

52

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

والثانية : أن لا يستعمل الاستدلال به في ما لا يصح ويقضي على الغائب بما لا يقطع به على الشاهد ويزعم القطع به . والفرق بينه وبين ما أمرنا استعماله أنه أمر باستعماله على جهة الحكمة وهو أن يكون له مذكرا أو زاجرا من غير قاطع ، وهذا المستدل يزعم أنه يقطع بما أخذ عنه من القياس كمن يزعم أن للبارئ سبحانه صورة كصورة الإنسان وأن علمه كعلمنا أو قدرته كاقتدارنا . وينتهي إلى ضرب من ضروب التجسم . قال اللّه تعالى : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [ الكهف : 51 ] . وإنما نستعمل من ذلك ما أحسسنا أو شهدت التجربة به مما يزعمه المعتنون بالتشريح على طول الدهر فهذا مما لا يمتنع . وإذا فهمت هذا القدر وساعدت عليه وأنست لقوله عليه السلام : " إنّ اللّه خلق آدم على صورته " ، وفهمت أن معنى ذلك خلقه خلقة على شبه العالم ، فاعلم أن الإنسان عبارة عن حيوان ناطق مائت منتصب القامة ضحاك ، فهذا حد يتناول نفسه وجسمه لضرورة الفصل بينه وبين الأشخاص الحية وإلا فقولنا حيوان ناطق يتناول نفسه فقط . ثم هذا الحيوان الناطق أعني الإنسان تنقسم جملته في التقسيم الكلي إلى ثلاثة أشياء : نفس وروح وجسم . فالجسم هو المؤتلف من المواد والعناصر الحاملة لروحه ونفسه وهو الشكل المنتصب ذو الوجه واليدين والرجلين الضاحك . وأما الروح : فهو الجاري في العروق الضوارب والشرايين . وأما النفس : فهو الجاري في العروق الضوارب والشرايين . وأما النفس : فهو الجوهر القائم بنفسه الذي ليس هو في موضع ولا يحل شيئا ، وسنشبع الكلام عليه مقدار ما يحتمله الموضع فنتكلم على الجسم بمقدار ما يرشد إلى الغرض . ويكون معينا لما عسى أن نذكره من أمر النفس ، فنقول قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [ المؤمنون : 12 ] . وقال تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] . فأخبر تبارك وتعالى عن ثلاثة أمور جسمه وروحه ونفسه ، وحقيقة الروح الحرارة الغريزية المنبعثة في الأعصاب والعضلات وهي موجودة للبهيمة وبها حياتها ، والفصل بين الآدمي والبهيمة هي النفس التي أضافها اللّه تعالى إليه في قوله تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] . فلو كانت للآدمي هذه النفس دون الروح المخلوقة للبهيمة لقصر عن أفعال البهيمة في الأكل والجماع والتصرف ، ولو أن البهيمة أعطيت النفس التي أعطيها الإنسان لكانت عاقلة مكلفة فخرج من الجملة أن للإنسان روحا ونفسا وجسما ، وللبهيمة جسما وروحا لا غير ، فأما آدم عليه السلام ، فمخلوق من التراب والماء والهواء والنار ، وقد قال تعالى ذلك في قوله سبحانه : مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . وفي قوله سبحانه : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] . وأما النار فقوله تعالى : مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ [ الرحمن : 14 ] . فأول الدرجات التّراب ، فإذا مسه الماء قيل له طين فإذا مرت عليه دهور بكرور الشمس واكتسب منها يبسا وجفافا قيل له صلصال كالفخار لنشوفته ،