الغزالي
53
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
ومعلوم ببرهان العقل أن مؤدي حر الشمس إليه هو الهواء ، فصح بالبرهان الشرعي والعقلي كون آدم عليه السلام على الصورة التي تقدمت ليجعل اللّه تعالى تدريج بنيه من نطفة خرجت منه يتلقفها الإناث إلى انقطاعها وتمام القوى ، وذلك حين الساعة وتمام الخلق . فأول الإنسان نطفة ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم تنبت فيه العظام ، وتكسى لحما ، فالنطفة الخارجة من الإنسان مسلولة كقشر الحبة من الحبة لكنها مياعة وكالنواة فإن النخلة السحوق فيها ولكن مدمجة ، ولكن من شاهد عقد الثمار تيقن هذا ، فإن الرمانة مثلا تخرج في أصغر ما يمكن غير أنك ترى الشكل مصغرا ثم تقويها الطبائع من خارج بما يجانسها فتصرف تلك الأشكال الكاملة إلى انتهائها وما فيها . ومن أرسل النطفة وأبصر السقط تحقق ذلك فإنك ترى أشكاله كخطوط مكتوبة ، وحدقتاه كحبات شونيز ووضوح ذلك لا يحوج إلى مزيد تأمل ، فالنطفة مسلولة مائعة بالطبع لما انسلت عنه بذوبان فطري جبلي لا حيلة فيه ، ولذلك يشبه الولد أباه في خلقه وخلقه . فإن قيل : الأغذية تستحيل دما في الكبد ، ثم تستحيل منيا وكانت قبل ذلك نباتات انفعلت عن الطبائع الأربع ، فلزم أن يكون غير الأب إذا انفعلت عن غيره . قلنا : الأمر كذلك ولكن الاعتبار بحين انفصالها عن الأب ، فحين انفصالها تنبعث من عروقه وعصبه وكبده بحركة ما ، فتكتسب حينئذ طبعه . وهذا الأمر متسلسل إلى آدم عليه السلام وعنده يقف الأمر فإن جسمه ونفسه ليسا مأخوذين عن آدم آخر فإن ذلك محال . وفيه إثبات أشخاص لا أول لها وهو محال . فإن الشخص بالضرورة ذو أولية وهو تحت النوع وإذا ثبت هذا فاعلم أن الصور الإنسانية تنقسم إلى أربعة أرباع . الأول : الرأس . والثاني : اليدان . والثالث : البدن . والرابع : الرجلان . ثم عظامه منقسمة إلى مائتي وثمانية وأربعين عظما . ففي الرأس : اثنان وأربعون عظما ، وفي الربع الثاني : اثنان وثمانون عظما . وفي الثالث : أربعون عظما . وفي الرابع : أربع وثمانون عظما ، ثم خلق اللّه سبحانه لهذه العظام رباطات تمسكها ، فعدّة عروق شكل الإنسان ثلاثمائة وستون عرقا . وبهذه العروق تكون الحركة والقبض والبسط . فرأس هذه العروق في الفؤاد ، وهو العرق المسمى بالنياط والأبهر ومنزلته مع القلب بمنزلة الحاجب للملك يتلقف أمره ثم يخرجه إلى الخدمة ، ثم هذه العروق متصلة بالمعدة تمتص منها قوة الطعام والشراب الذي يدخلها ثم تقسمه بين الكبد ، والمرارة ، والطحال ، والرئة ، وخلق الأبهر مستبطن الصلب ، وهو آخذ من مجمع الكاهل ، إلى مجمع الوركين ، إلى مجمع الحالبين ، إلى مجمع الصدر بين الترقوتين وهو نهر الجسد الأعظم وهو مقسوم لأربعة عروق لأجزاء الجسد الأربعة ، لكل جزء منها عرق ، فللرأس منها عرق يتفرق إلى ستين عرقا ولليدين والرجلين عرق يتفرق إلى مائتي عرق . والجزء الأول من النهر الأول : وهي أربعة أنهار يتفرق منه عرقان من مجمع الكاهل يسقيان