الغزالي

17

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

والخضراوات وهدمت المساكن والبيوت وقطعت السبل ومنعت من الأسفار وكثير من الحرف والصناعات ولو دام الصحو لجفت الأبدان والنبات ، وعفن الماء الذي في العيون والأدوية ، فأضر ذلك بالعباد . وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضررا آخر من الأمراض ، وغلت بسببه الأسعار من الأقوات ، وبطل المرعى وتعذر على النحل ما يجده من الرطوبة التي يرعاها على الأزهار ، وإذا تعاقبا على العالم اعتدل الهواء ودفع كل واحد منهما ضرر الآخر فصلحت الأشياء واستقامت ، وهذا هو الغالب من مشيئة اللّه . فإن قيل : قد يقع من أحدهما ضرر في بعض الأوقات . قلنا : قد يكون ذلك لتنبيه الإنسان بتضاد الأشياء على نعمة اللّه تعالى وفضله ورحمته أنه هو الغالب فيحصل لهم بتلك انزجار عن الظلم والعصيان ، ألا ترى من سقم جسمه احتاج إلى ما يلائمه من الأدوية البشعة الكريهة ليصلح جسمه ويصح ما فسد منه . قال اللّه تعالى : وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [ الشورى : 27 ] . باب في حكمة خلق النار قال اللّه تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ * نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [ الواقعة : 71 . 74 ] . اعلم وفقنا اللّه وإياك : أن اللّه خلق النار ، وهي من أعظم النعم على عباده ، ولما علم سبحانه وتعالى - أن كثرتها وبثها في العالم مفسدة جعلها اللّه بحكمته محصورة حتى إذا احتيج إليها وجدت واستعملت في كل أمر يحتاج إليها فيه ، فهي مخزونة في الأجسام ، ومنافعها كثيرة لا تحصى . فمنها ما تصلحه من الطبائخ والأشربة التي لولاها لم يحصل فيها نضج ولا تركيب ولا اختلاط ، ولا صحة هضم لمن يستعملها في أكل وشرب . فانظر لطف الباري سبحانه في هذا الأمر المهم ثم انظر فيما يحتاج الناس إليه من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والقصدير وغير ذلك ، فلولاها لم يكن شيء من الانتفاع من هذه الأشياء ، فبها يذاب النحاس فتعمل منه الأواني وغيرها . وقد نبه اللّه تعالى على مثل ذلك بأنها نعمة توجب الشكر . فقال تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [ سبأ : 13 ] . وبه يلين الحديد فيعملون به أنواعا من المنافع والآلات للحروب مثل الدروع والسيوف إلى غير ذلك مما يطول تعداده ، وقد نبه اللّه تعالى على مثل هذا ، فقال : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [ الحديد : 25 ] . وقال تعالى : لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ [ الأنبياء : 80 ] . ومنه يعمل آلات للحرث والحصاد وآلات تتأثر بها النار ، وآلات يطرق بها ، وآلات لقطع الجبال الصمة ، وآلات لنجارة الأخشاب مما يكثر تعدادها . فلو لا لطف اللّه سبحانه بخلق النار لم يحصل من ذلك شيء من المنافع ، ولولاها لما كان يتهيأ للخلق من الذهب والفضة نقود ولا زينة ولا منفعة ، وكانت هذه الجواهر معدودة من جملة الأتربة ، ثم انظر إلى ما جعل اللّه تعالى في النار من الفرح والترح عندما تغشى الناس ظلمة الليل كيف يستضيئون بها ويهتدون بنورها في جميع أحوالهم من