الغزالي
18
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
أكل وشرب وتمهيد مراقد ، ورؤية ما يؤذيهم ومؤانسة مرضاهم وقصدها والعمل عليها برا وبحرا فيجدون بوجودها أنسا حتى كأن الشمس لم تغب عن أفقهم ، ويدفعون بها ضرر الثلوج والرياح الباردة ويستعينون بها في الحروب ومقاومة حصون لا تملك إلا بها ، فانظر ما أعظم قدر هذه النعمة التي جعل سبحانه حكمها بأيديهم إن شاؤوا خزنوها وإن شاؤوا أبرزوها . باب في حكمة خلق الإنسان قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [ المؤمنون : 12 ] . إلى آخر ما وصفه سبحانه . اعلم وفقك اللّه تعالى أن اللّه عزّ وجلّ لما سبق في علمه خلق الخلق وبثهم في هذه الدار ، وتكليفهم فيها للبلوى والاختبار . خلقهم سبحانه متناسلين بعضهم من بعض ، فخلق سبحانه الذكر والأنثى وألقى في قلوبهم المحبة والدواعي حتى عجزوا عن الصبر وعدموا الحيلة في اجتناب الشهوة . فساقتهم الشهوة المفطورة في خلقهم إلى الاجتماع وجعل الفكرة تحرك عضوا مخصوصا به إلى إيداع الماء في القرار المكين الذي يخلق فيه الجنين ، فاجتمعت فيه النطفة من سائر البدن وخرجت ماء دافقا مندفعا من بين الصلب والترائب بحركة مخصوصة ، فانتقلت بسبب الإفلاج من باطن إلى باطن . فكانت مع انتقالها باقية على أصلها ، لأنها ماء مهين أدنى شيء يباشرها يفسدها وبغير مزاجها ، فهي ماء يختلط جميعه مستوية أجزاؤه لا تفاوت فيها بحال ، فخلق سبحانه منه الذكر والأنثى بعد نقلها من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام ، ثم كساها اللحم وشدها بالأعصاب والأوتار ونسجها بالعروق ، وخلق الأعضاء وركبها فدور سبحانه الرأس وشق فيها السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ . فجعل العين للبصر ، ومن العجائب سر كونها مبصرة للأشياء ، وهو أمر يعجز عن شرح سره ، وركبها من سبع طبقات لكل طبقة صفة وهيئة مخصوصة بها ، فلو فقدت طبقة منها أو زالت لتعطلت عن الأبصار ، وانظر إلى هيئة الأشفار التي تحيط بها وما خلق فيها من سرعة الحركة لتقي العين مما يصل إليها مما يؤذيها من غبار وغيره ، فكانت الأشفار بمنزلة باب يفتح وقت الحاجة ويغلق في غير وقت ، ولما كان المقصود من الأشفار جمال العين والوجه جعل شعرها على قدر لا يزيد زيادة تضر بالعين ولا تنقص نقصا يضر بها ، وخلق في مائها ملوحة لتقطيع ما يقع فيها ، وجعل طرفيهما منخفضين عن وسطهما قليلا لينصرف ما يقع في العين لأحد الجانبين ، وجعل الحاجبين جمالا للوجه وسترا للعينين وشعرهما يشبه الأهداب في عدم الزيادة المشوهة ، وجعل شعر الرأس واللحية قابلا للزيادة والنقص ، فيفعل فيهما ما يقصد به الجمال من غير تشويه ، ثم انظر إلى الفم واللسان وما في ذلك من الحكم ، فجعل الشفتين سترا للفم كأنهما باب يغلق وقت ارتفاع الحاجة إلى فتحه ، وهو ستر على اللثة والأسنان مفيد للجمال ، فلو لا هما لتشوهت الخلق ، وهما معينان على الكلام واللسان للنطق والتعبير عما في ضمير الإنسان وتقليب الطعام وإلقائه تحت الأضراس حتى يستحكم