الغزالي
105
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
إخلاص ومخالصة الإخلاص وخالصته كائنة في المخالصة . فعلى هذا الإخلاص حال الملامتي ، ومخالصة الإخلاص حال الصوفي ، والخالصة الكائنة في المخالصة ثمرة مخالصة الإخلاص وهو فناء العبد عن رسومه برؤية قيامه بقيومه ، بل غيبته عن رؤية قيامه وهو الاستغراق في العين عن الآثار والتخلص عن لوث الاستتار وهو فقد حال الصوفي . والملامتي مقيم في أوطان إخلاصه غير متطلع إلى حقيقة إخلاصه . وهذا فرق واضح بين الملامتي والصوفي . فالملامتي وإن كان متمسكا بعروة الإخلاص مستفرشا بساط الصدق . ولكن عليه بقية رؤية الخلق وما أحسنها من بقية تحقق الإخلاص والصدق . والصوفي صفاء من هذه البقية في طرفي العمل والترك للخلق وعزلهم بالكلية وراءهم بعين الفناء والزوال ، ولاح له ناصية التوحيد وعاين سر كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] كما قال بعضهم في بعض غلباته : ليس في الدارين غير اللّه . وقد يكون إخفاء الملامتي الحال على وجهين : أحد الوجهين لتحقيق الإخلاص والصدق ، والوجه الآخر ، وهو الأتم لستر الحال عن غيره بنوع غيره ، فإنه من خلا بمحبوبه يكره اطلاع الغير عليه ، بل يبلغ في صدق المحبة أن يكره اطلاع أحد على حبه لمحبوبه ، وهذا وإن علا ففي طريق الصوفي علة ونقص . فعلى هذا يتقدم الملامتي على المتصوف ويتأخر عن الصوفي . وقيل : من أصول أهل الملامة أن الذكر على أربعة أقسام : ذكر باللسان ، وذكر بالقلب ، وذكر بالسر ، وذكر بالروح . فإذا صح ذكر الروح سكت السر والقلب واللسان عن الذكر وذلك ذكر المشاهدة ، وإذا صح ذكر السر سكت القلب واللسان عن الذكر وذلك ذكر الهيبة ، وإذا صح ذكر القلب فتر اللسان عن الذكر وذلك ذكر الآلاء والنعماء ، وإذا غفل القلب عن الذكر أقبل اللسان على الذكر . وذلك ذكر العادة . ولكل واحد من هذه الأذكار عندهم آفة ، فآفة ذكر الروح اطلاع السر عليه وآفة ذكر السر اطلاع القلب عليه ، وآفة ذكر القلب اطلاع النفس عليه ، وآفة ذكر النفس رؤية ذلك وتعظيمه وطلب ثواب أو ظن أنه يصل إلى شيء من المقامات به . وأقل الناس قيمة عندهم من يريد إظهاره وإقبال الخلق عليه بذلك . وسر هذا الأصل الذي بنوا عليه أن ذكر الروح ذكر اللذات ، وذكر السر ذكر الصفات بزعمهم ، وذكر القلب من الآلاء والنعماء ذكر أثر الصفات ، وذكر النفس متعرض للعلات ، فمعنى قولهم : اطلاع السر على الروح يشيرون إلى التحقيق بالفناء عند ذكر الذات ، وذكر الهيبة في ذلك الوقت ذكر الصفات وهو وجود الهيبة ، ووجود الهيبة يستدعي وجودا أو بقية . وذلك يناقض حال الفناء . وهكذا ذكر السر وجود هيبة وهو ذكر الصفات مشعر بنصيب القرب ، وذكر القرب الذي هو ذكر الآلاء والنعماء مشعر ببعد ما لا به اشتغال بذكر النعمة وذهول عن المنعم ، والاشتغال برؤية العطاء عن رؤية المعطي ضرب من بعد المنزلة واطلاع النفس نظرا إلى الأغراض اعتداد بوجود العمل ، وذلك عين الاعتلال حقيقة ، وهذه أقسام هذه الطائفة وبعضها أعلى من بعض . واللّه أعلم .