الغزالي

106

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

الباب الرابع في بيان معنى الوصول والوصال اعلم : أن الوصول هو أن ينكشف للعبد حلية الحق ويصير مستغرقا به ، فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف إلّا اللّه وإن نظر إلى همته فلا همة له سواه . فيكون كله مشغولا بكله مشاهدة وهما ولا يلتفت في ذلك إلى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة أو باطنه بتهذيب الأخلاق وكل ذلك طهارة وهي البداية ، وأما النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول ، فافهم جدا . ومعنى الوصال هو الرؤية والمشاهدة بسر القلب في الدنيا وبعين الرأس في الآخرة ، فليس معنى الوصال اتصال الذات بالذات تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . قال بعضهم : وإنّ طرفي موصول برؤيته * وإن تباعد عن مثواي مثواه اعلم : أن مباني طريق الصوفية على أربعة أشياء وهي : اجتهاد ، وسلوك ، وسير ، وطير . فالاجتهاد : التحقق بحقائق الإسلام . والسلوك : التحقق بحقائق الإيمان . والسير : التحقق بحقائق الإحسان . والطير : الجذبة بطريق الجود والإحسان إلى معرفة الملك المنان ، منزلة الاجتهاد من السلوك منزلة الاستنجاء من الوضوء ، فمن لا استنجاء له لا وضوء له . فهكذا من لا اجتهاد له لا سلوك له . ومنزل السلوك من السير منزلة الوضوء من الصلاة ، فمن لا وضوء له لا صلاة له . فكذا من لا سلوك له لا سير له . وبعده الطير وهو الوصول واللّه تعالى أعلم . فهذه طريق السالكين ومنازل السائرين ، وبعد ذلك طريق الوصول ومنازل الواصلين وهو الطير . واللّه أعلم . فصل في الاتصال قال الثوري : الاتصال مكاشفات القلوب ومشاهدات الأسرار في مقام الذهول . اعلم : أن الاتصال والمواصلة فيما أشار إليه الشيوخ وكل من وصل إلى صفو اليقين بطريق الذوق والوجد فهو رتبة من الوصول . ثم يتفاوتون فمنهم من يجد اللّه بطريق الأفعال وهو رتبة في التجلي فيفنى فعله وفعل غيره لوقوفه مع اللّه تعالى ويخرج في هذه الحالة من التدبير والاختيار . وهذه رتبة في الوصول . ومنهم من يوقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشف قلبه من مطالعة الجلال والجمال ، وهذا تجلي بطريق الصفات وهو رتبة في الوصول . ومنهم من يرقى إلى مقام الفناء مستمليا على باطنه أنوار اليقين والمشاهدة مغيبا في شهوده عن وجوده ، وهذا ضرب من تجلي الذات لخواص المقربين ، وهذه رتبة في الوصول وفوق هذا حق اليقين ويكون من ذلك في الدنيا للخواص لمح وهو سريان نور المشاهدة في كلية العبد حتى يحظى به روحه وقلبه ونفسه حتى قالبه . وهذا من أعلى رتب الوصول ، وإذا تحققت الحقائق يعلم العبد مع هذه الأحوال الشريفة أنه يعد في أول المنزل . فأين الوصول ؟ هيهات منازل طريق الوصول لا تقطع أبد