القاسم بن إبراهيم الرسي

92

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

كالفراش في الخفة والقلة ، وللقوم إذا استكثروهم كالفراش في الكثرة والجمّة . وانبثاثه : فهو انبعاثه متحيرا وطائرا في كل وجهة من الجهات ، يموج ويصدم بعضه بعضا في تلك الوجوه المختلفات ، فمثّل اللّه سبحانه الناس في يوم البعث ، بما وصفنا من الفراش المنبث ، الذي يموج بعضه في بعض ، ويسقط تهافتا على الأرض ، لما ذكرنا من كثرته ، وموجه وحيرته ، واختلاف جهاته ، ويومئذ يدعوهم من تلك النواحي المختلفات الداع « 1 » ، فيستجيبون لدعوته كلهم جميعا باستماع ، كما قال سبحانه : يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ [ طه : 108 ] ، تأويلها : لا اختلاف لهم بعد معه ، كما كانوا يختلفون في المذاهب قبل دعائه ، وما سمعوا وهم في حيرتهم من ندائه ، كما قال سبحانه : وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 41 ) [ ق : 41 ] ، وهو يوم الإصاخة بالأسماع ، لتسمع صوت المنادي الداعي ، وفي ما ذكرنا من هذه الإصاخة ، ما قيل في يوم الصاخة : فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ( 33 ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ( 37 ) [ عبس : 33 - 37 ] . وتأويل : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ( 5 ) فالعهن : هو الصوف الناعم اللين الذي ليس يقرد ، وذلك من الصوف فما يلين للنفش في اليد ، وينتفش ويتجافى ، ويعود خفيفا أجوفا ، وقد تفرقت أجزاؤه ، وبان جفاؤه ، فعاد قليله كثيرا ، وصغيره كبيرا ، لتحلله وتمزقه ، وتزايله وتفرقه ، كذلك تبلى الجبال إذا بليت ، وتفنى يوم القيامة إذا فنيت ، فتكون كالسراب الرقراق ، في الفناء والتهيؤ والامتحاق ، وفي جزاء الأعمال ، بعد تلك الأهوال ، يقول اللّه سبحانه : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ( 6 ) ، تأويلها : من ثقل في الوزن بره وإحسانه ، فسعد بثقله ، وثقل بعمله . وتأويل فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 7 ) ، فهو في عيشة مرضية زاكية ، وإنما يعرف أمر الخفة يومئذ واليوم والثقل ، بما يعرف منها اليوم في الحال والقدر والعمل ، وليس نعلم الخفة والثقل يومئذ في المقادير والأوزان ، بمثاقيل يوزن بها من خف وثقل وجرمان « 2 »

--> ( 1 ) في المخطوطتين ( أ ) و ( ب ) : الداعي . ولعل ما أثبت أوفق لسجع الإمام . ( 2 ) في ( أ ) : وجريان . ( مصحفة ) . وفي ( ب ) : جرمان : بمعنى الجرم بكسر الجيم . الحجم والجسم .