القاسم بن إبراهيم الرسي

58

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

ولا صنّاع . وفي ذلك ، ولأولئك ، ما يقول اللّه سبحانه : وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً « 1 » يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [ فاطر : 29 ] ، فافهموا هداكم اللّه عن اللّه هذا البيان والنور . واعرفوا قوله ، جل جلاله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ النور : 36 - 37 ] . واعلموا أن التجارة مشغلة وملهاة ، لكل من آثر على دينه دنياه ، وبخل عن اللّه من الدنيا بما أعطاه ، واقتصر لنفسه مما ينجيها ، على رجاء المغفرة وتمنّيها ، مقيما على المعاصي لا يزول عنها ولا يبرح ، ظالما لنفسه لا يشفق عليها ولا ينصح ، ولا يقبل من رشده وهداه ، إلا ما وافق محبته وهواه ، عدوّا لمن نصحه في اللّه ، معرضا عمن دعاه إلى اللّه ، لم ينصفه مفتر عليه فيه بهّات ، « 2 » له جلبة بجهله وأصوات ، يقول الباطل ، ويتبع الجاهل ، ليس له في نصح الناصحين حظ ولا نصيب ، ولا له مع جهله من الصالحين ولي ولا حبيب ، فهو كما قال صالح نبي اللّه ورسوله ، صلوات اللّه عليه ورضوانه ، إذ تولى عن قومه ، عند نزول عذاب اللّه بهم ونقمه ، « 3 » فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ( 79 ) [ الأعراف : 79 ] . وقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 150 ) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ( 151 ) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( 152 ) [ الشعراء : 150 - 152 ] . فأسرف الاسراف وأفسد الفساد ، كل ما صد بأهله عن الهدى والرشاد . وأرشد الرشاد والهدى ، وأقصده إلى كل خير قصدا ، تنزيل اللّه ووحيه ، وأمره فيه ونهيه ، وهو يا بني : الذكر الحكيم ، وفيه ما يقول الخبير العليم : ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ

--> ( 1 ) في المخطوطتين : أثبت أول الآية : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً . . . الآية وتكملتها فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة / 274 ] . ولعل ذلك سهو من الناسخ . ( 2 ) كثير البهتان . ( 3 ) في المخطوطتين : ونقمته . ولعل الصواب ما أثبت ، واللّه أعلم .