القاسم بن إبراهيم الرسي
56
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
وجهته ولا قصده ، فتبع فيه ضلالته وخسرته وتلدده ، « 1 » فلم يزدد من الهدى ، إلا نقصا وبعدا ، فهلك وأهلك فضل وأضل عن سواء السبيل ، وخيّم وأقام هالكا متحيرا بين هلكات الأضاليل ، لا يبصر رشده فيه ولا هداه ، مهلكا لمن أطاعه مطيعا لمن أراده ، لا يرى فيه للهدى علما ، ولا يطأ به من رسومه رسما . فاعرفوا يا بني هديتم لرشدكم ، ما قد حددته لكم ، في كتاب اللّه من القصد والغرض ، فإن بعض ذلك يدعو إلى بعض ، فمتى تعرفوا يا بني غرض كتاب اللّه وقصده ، يبذل كل امرئ منكم في طلبه جهده ، ويفز منه بالحظ الأوفر ، متى يظفر منه بالفوز الأكبر ، فيستأنس به من الوحشات ، ويكتفي بعلمه من القماشات ، « 2 » التي قمشها في الدين ، فضلّ بها عن اليقين . من رغب عنه إلى غيره ، ولم يستنر منه بمنيره ، فعمه في ضلالات المضلين غرقا متسكعا ، « 3 » إذا لم يكن بكتاب اللّه مكتفيا ولا عنه مستمعا ، يستفيد الباطل من المبطلين ويفيده ، « 4 » معرضا عن حق المحقين لا يطلبه ولا يريده ، راضيا لنفسه بالهلكة من النجاة ، وبالموت الموصول بنكال الآخرة من الحياة ، يعدّ غيّه وعماه بعد رشدا ، وضلالته عن الرشد هدى ، قد زاد غيّه وعماه ، ما أسعده من دنياه ، لما أسلمه اللّه لجريه « 5 » إليه ، بما أمده من ماله وبنيه ، فاستدرجه به من الملأ ، بالعافية من نوازل البلاء ، كما قال تبارك وتعالى فيهم : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( 56 ) [ المؤمنون : 55 - 56 ] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 ) [ آل عمران : 178 ] . فغرض كتاب اللّه المبين ، فإنما هو البيان واليقين .
--> ( 1 ) التلدد : التحير . والتلفت يمينا وشمالا . ( 2 ) القمش : الرديء من كل شيء . والقمش : جمع الشيء من هاهنا وهاهنا . ( 3 ) الغرق : الرسنوب في الماء ويشبه الذي ركبه الدّين وغمرته البلايا . وسكع وتسكع : مشى متعسفا . وتسكع في أمره : لم يهتد لوجهته . ( 4 ) في ( أ ) : ويقتده . مصحفة . ( 5 ) في ( أ ) : لخريه .