القاسم بن إبراهيم الرسي

544

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

اختيارا منه سبحانه في الأشياء للأوساط ، على التقصير فيها والإفراط ، لأن الاخفات فيها شبيه بالسر والضمير المكتوم ، والاجهار الفاحش من الأصوات شبيه بالتنكير المذموم . ألا تسمع لما ذكر اللّه سبحانه من قصص حكمة لقمان ، وما نزل اللّه لرضاه بها منها في منزل القرآن ، إذ يقول لابنه ، فيما يأمره به : وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 12 ) [ لقمان : 12 ] . فلما كان رفع الصوت في غير الصلاة من التنكير ، كان في الصلاة أفحش وأنكر ، وفيما أمر اللّه به منها أكبر . وفي ركوع الصلاة وسجودها ، بعد الذي قدمناه من حدودها ، ما يقول سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 77 ) [ الحج : 77 ] . وفيما قلنا من تسكين الأطراف فيها ، وما أمر اللّه به من الخشوع والإقبال عليها ، ما يقول سبحانه : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ( 2 ) [ المؤمنون : 1 - 2 ] . ومن يشك في أن من الخشوع في الصلاة تسكين العيون وغضها ؟ وكذلك تسكين الأيدي وحفظها ، فذلك من الخشوع فيها ، ومن الإقبال عليها ، وما قلنا في ذلك ومن دلائله ، ما ذكر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله ، من أنه قال : ( ما بال رجال يرفعون أيديهم إلى السماء في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس ، لئن لم ينتهوا ليفعلن اللّه بهم وليفعلن ) ، « 1 » لا يجهل ذلك من رواتهم إلا متجاهل . فأمر الصلاة كلها والحمد للّه ، سكون وخشوع للّه . ثم قال تبارك وتعالى في تسبيح ركوعها ، بعد الذي بيّنه وفصّله من أمر خشوعها ، أمرا منه بيّنا ، وحكما متقنا ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 74 ) [ الواقعة : 74 ، 96 ، الحاقة : 52 ] . فوقّفنا سبحانه من التسبيح على صراط مستقيم . ثم قال سبحانه في تسبيح السجود ، بقول ظاهر بيّن محدود : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) [ الأعلى : 1 ] ، دلالة

--> ( 1 ) رواه الإمام الهادي في الأحكام 1 / 92 . وأخرجه المؤيد باللّه في شرح التجريد ( مخطوط ) ، ومسلم ( 651 ) ، وأبو داود ( 148 ) ، والنسائي ( 327 ) و ( 998 ) ، وأحمد ( 20119 ) .