القاسم بن إبراهيم الرسي

356

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

على من أناب إليه من الخاطئين ، وكما أن طالب الضالة محبّ لوجودها وأدائها ، والطبيب محب لإبراء المرضى إذا عالجها من أدوائها ، فكذلك اللّه تبارك وتعالى يحب توبة من دعاه إلى الإنابة من المذنبين ، ولذلك مدح سبحانه إنابة من أناب إليه من المنيبين « 1 » . [ حذر النفس والهوى ] واعلموا أن من سقط في البحر ، وألقى بيده في لجج الغمر ، « 2 » ، ولم يتحرك في طلب الحياة ، لم يطمع له يقينا بتّا بنجاة . ومن وطّن نفسه على الهلكة ، يئس من أن يدركه اللّه بنجاته المدركة ، ومن يئس من الأسباب المنجية ، لم يتب من قبيح سيئة ، ومن يحسن ظنه بربه ، « 3 » لا يعدم حسن الجزاء في ظنه به ، « 4 » ومن يسوء ظنه باللّه وفيه ، فلا يعرف إحسانه إليه ، ولا يستوجب منه ثوابا ، ولا يأمن له - إن عقل - عقابا ، وثواب اللّه على حسن ظنّ من عبده به ، عوض من جزائه له على حسن عمله . فالحذر الحذر فإن المنفعة في الحذر عظيمة ، والاستعانة بمعرفتها حصن وغنيمة ، فاستعينوا بالحذر والتيقّظ عن الغفلة ، وما ليس بمأمون أن يعارضكم من الملالة . واعلموا أن الأنفس تؤثر حب الخفض « 5 » والراحات ، وكل ما كان لها فيه « 6 » من عاجل سرور وفرحات ، بغلبة غالبة لها عليها ، وصغوّ مصغ شديد إليها ، فإن أهملتم أنفسكم أغارت غارة السبع في شهواتها ، وملكتها الغفلة فخالفتكم في أكثر حالاتها ، وإن انتبهتم وحذرتم ، قويتم على بلوغ ما طلبتم ، وإن ونيتم وقصرتم ، وعميتم عما بصّرتم ، غلبت عليكم غوالب الحيرة والهوى ، وأسلمكم اللّه إلى ما آثرتم عليه من غير

--> ( 1 ) في ( ب ) و ( د ) : المتقين . ( 2 ) الغمر : الماء الكثير . ( 3 ) في جميع المخطوطات : ( باللّه ) . وما أثبت اجتهاد مني . لأنه أوفق لسجع الإمام وأسلوبه . واللّه أعلم . ( 4 ) سقط من ( ب ) و ( د ) : به . ( 5 ) الخفض : الدّعة . ( 6 ) سقط من ( ب ) و ( د ) : فيه .