القاسم بن إبراهيم الرسي
344
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
[ النفس ] ولكنه سبحانه عرّفنا أنفسنا وفناها ، وألهم كل نفس منها فجورها وتقواها ، فجعل فجورها غيا وتقواها هدى ، وجعلنا تبارك وتعالى نموت ونفنى ، لنستدل بالموت وتصاريف طبائع الخلق ، على حكمة تدبيره لنا في الفطرة والصنع ، وليدعونا خوف الفناء ، إلى طلب حياة البقاء ، وجعلنا « 1 » تبارك وتعالى من جزءين اثنين نفس وجسد ثم ألف بينهما بلطيف تدبيره ، وأحكم تركيبهما بأحسن تصويره ، فجعلهما بعد تباينهما شخصا واحدا مكملا ، وجعل لبقائه وأيام حياته مدة وأجلا ، ثم أمره بعد كموله فيه ، برشده وحضّه عليه . فإن نفسه سمعت له وأطاعت ، وأجابت إلى ما دعا إليه فسارعت ، رشد عند اللّه واهتدى ، وفاز من اللّه بثوابه غدا ، وإن نفسه عصته والتوت عليه وأبت ، ما دعي إليه من الرشد فغوت ، ولم تعتصم باللّه ، ولم تذكر « 2 » رحمة من اللّه ، ضل عند اللّه فعطب ، « 3 » وهلك في القيامة وعذّب ، فنفس المرء إذا لم ترشد « 4 » له فشر صاحب ، ودعاة إلى كل هلكة ومعايب ، لأنها لولا عصمة اللّه لها في خطاياها أبدا كرارة ، ولصاحبها إلى ما حرم اللّه أمّارة ، كما قال يوسف صلى اللّه عليه : * وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 ) [ يوسف : 53 ] . وكما قال شعيب صلى اللّه عليه في توفيق اللّه ومعونته له على عبادته ، وحسن نظره وعصمته ، ولما كان عليه من رعاية حق اللّه وأمره من إرادته « 5 » : إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ( 88 ) [ هود : 88 ] . فمن خالف نفسه في خطاياها ، ومال مع الحق عليها ، لم يضرره لها هوى ولا أمر ،
--> ( 1 ) في ( ب ) و ( د ) : وخلقنا . ( 2 ) في ( ب ) و ( ج ) : يعتصم . وفي ( ب ) و ( ج ) و ( د ) : تذكرة . ( 3 ) العطب : الهلاك . ( 4 ) في ( أ ) و ( ج ) : يرشد . وسقط من ( أ ) : له . ( 5 ) سقط من ( أ ) : ولما كان عليه من دعائه حق اللّه وأمره من إرادته .