القاسم بن إبراهيم الرسي
264
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
ورحمته وإفضاله ، في ترك المعاجلة بعذابه ونقماته ، لمن أعرض عما ذكّر به من آياته ، فقال سبحانه : لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ( 58 ) [ الكهف : 58 ] ، فمن أشد إعراضا عن آياته ؟ ! وما أوضح بها وفيها من بيناته ، ممن جهل فرض اللّه عليه فيها ، أوليس هذا هو الذي لم يلتفت قط إليها ؟ ! بلى « 1 » إنه لهو ذلك ، وإن لم يكن عند من لا يعقل كذلك . وقد جهل قوم ما قلنا به في الموالاة ، وما زعمنا أنه منها من القرب والمداناة ، بالجوار والمحالّة ، والخلطة والمعاملة ، وقد يقال للقوم إذا تتابعوا جميعا في مجيء ، أو قالوا كلهم قولا واحدا في شيء : إنهم جميعا لمتوالون فيه ، وفي المجيء إلى البلد : إنهم لمتوالون عليه . وإذا جاءوا متتابعين ، قيل : جاءوا متوالين ، وكذلك يقال للقوم إذا دخلوا أرضا ، وكان بعضهم مجاورا فيها بعضا ، إنهم بالجوار لمتوالون فيها ، كما يقال : إذا ساروا إلى الأرض إنهم لمتوالون إليها . وكما يقال للمتاصفين : إنهم أصفياء المودة والصفاء ، كذلك يقال للمتوالين : أولياء في المقاربة والولاء ، وقد قال اللّه تبارك وتعالى في أهل الكتاب من اليهود ، إنهم أولياء لأهل الكفر والشرك والجحود . فاسمعوا لقول اللّه سبحانه لرسوله في بني إسرائيل ، وما وقّفه عليه من ذلك في التنزيل : تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ( 80 ) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 81 ) [ المائدة : 80 - 81 ] ، يقول سبحانه لو كانوا يؤمنون بالنبي الذي كان فيهم ، وبمن صار من أنبياء اللّه ورسله صلى اللّه عليهم إليهم ، لما والوا عدوا مشاقا ، ولا أدخلوا « 2 » عليهم إذ كانوا أعداء للرب مرفقا ، بمخالطة منهم لهم ولا معاملة ، ولا بمجاورة لأحد منهم ولا محالّة ، وقد تعلمون أن من ذكره اللّه سبحانه في هذه الآية بالتولي للكفار من اليهود ، وإن كانوا قد نقضوا في أكثر الأمور ما بينهم وبين اللّه من
--> ( 1 ) في ( أ ) و ( ج ) : بل . ( 2 ) يحتمل أن تكون الكلمة ( ولا دخلوا ) والمرفق بمعنى المكان أو الموضع . وعلى ما هي عليه ( ولا أدخلوا ) والمرفق بمعنى النفع .