القاسم بن إبراهيم الرسي

265

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

العهود ، فلم ينقضوا أنهم غير متولين للكفار في أديانهم ، ولا راضين بعبادة ما كان الكافرون يعبدون من أوثانهم ، ولا ما كانوا يشرعون في دينهم من الشرائع ، ويفترون على اللّه فيه من الشنائع ، في أكل الميتة والدم ، وما كانوا يحلون من كل محرّم ، بل كانوا لهم في ذلك مخالفين ، ولعملهم فيه من القالين ، ولكنهم كانوا لهم موالين ، وإن لم يكونوا لدينهم قائلين ، وكانوا لهم على دينهم من العائبين ، ولهم في أنفسهم من المعادين ، ولكنهم كانوا أولياء لهم بالنصرة والموادّة ، وبما ذكرنا من الجوار والمعاملة والمقاعدة . أفلا « 1 » ترون كيف جعلهم رب العالمين ، بموالاتهم لمن ظلم من الظالمين ؟ ! فأثبت سبحانه عليهم في الحكم ، أنهم عنده كهم في الظلم ، وأنهم منهم بموالاتهم لهم ، وإن كانوا برءاء منهم في شرائع دينهم ، وجاهلين بأكثر أقاويلهم ، لا يعملون منها حرفا ، ولا من أوصافهم فيها وصفا ، فلذلك « 2 » كان من الموالاة ، ما ذكرنا من القرب والمداناة ، التي منها المجاورة والمحالّة ، كما منها الإخاء والمخالّة . ومن قارب شيئا ودنا إليه ، فهو غير شك يليه ، وكذلك في المحبة من والاكم ، فقد وادّكم وآخاكم . ومن ذلك حرم اللّه سبحانه المجاورة والمداناة ، إذا كانت بين « 3 » أهلها مقارنة وموالاة ، ففرض اللّه على نبيه صلى اللّه عليه وعلى المؤمنين الهجرة لدار من كفر به ، ولم يصر إلى القبول عنه لما جاء به من « 4 » ربه ، ولمن هاجر - يومئذ من المؤمنين عن الدار ، وما أمر اللّه بهجرته من الكفار ، وقبلهم وفيهم ، وعندهم ولديهم - الأموال والديار العامرة ، والأبناء والأهلون والقرابة الناصرة ، فألزمهم « 5 » اللّه لذلك كله الهجرة ، وأوجب عليهم لدينه ولأنفسهم النصرة ، وأبقى الهجرة بعدهم ، لمن سلك قصدهم ، شريعة ثابتة قائمة ، وفريضة للمؤمنين لازمة دائمة .

--> ( 1 ) في ( ب ) و ( د ) : ألا . ( 2 ) في ( ب ) و ( د ) : ولذلك . ( 3 ) في ( ب ) و ( د ) : من . ( 4 ) في ( ب ) و ( د ) : عن . ( 5 ) في ( ب ) : وألزمهم .