القاسم بن إبراهيم الرسي

382

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

من المحال ، وأخبث ما قيل به في الإحالة من الأقوال . ومن « 1 » قولهم إن الأشياء لا تتغير عن جواهرها ، « 2 » وقد ترون أنها تتغير عن صورها ، فصورة النور مؤنسة مضيّة ، وصورة الظلمة موحشة ظلمية ، فإذا ما هما امتزجا عوين مزاجهما بصورة في المزاج « 3 » أخرى ، ليست بما كان يرى ، لا مؤنسا مضيا ، ولا موحشا ظلميا ، فمن أين كانت هذه الصورة الثالثة ؟ إلا أن الأمور حادثة ، ولكن القوم يلعبون بنفوسهم ، ويقولون بخلاف ما يجدون من محسوسهم ، وليس ببدع ممن جسر « 4 » على قول الزور والبهتان ، أن يجحد بلسانه ما يدركه بشواهد العيان ، فيزعم أن الرطب يبس ، وعشر العدد خمس ، وإنما التبيان في الحقائق الموجودة ، ما يدرك منها بشواهدها المشهودة . وزعموا أن الشيء لا يكون أبدا ، إلا مثل جوهره مجتمعا ومفردا ، وشأن النور العلو والارتفاع ، وشأن الظلمة السفول والاتضاع ، وكذلك شأن كل ضدين ، متى وجدا متضادين ، متى علا هذا ، هوى هذا ، فهو أبدا يهوي إذا ضده سما ، ويسمو إذا ضده هوى ، وفي فراق الشيء لشأنه ، حقيقة فنائه وبطلانه ، كالنار التي من شأنها التسخين ، واللين الذي لا يكون إلا وله تليين ، فمتى بطل شأناهما ، بطلت لا بد عيناهما ، لأنه لا حار إلا مسخّن ، ولا ليّن أبدا إلا مليّن . وقد زعموا أن النور قد زال عن داره من العلى ، وصار إلى هذه الأرض السفلى ، وفي ذلك من تغيّره ، ما قد قيل من بطلان عينه . وكذلك الظّلمة في بطلانها ، إذا صارت إلى خلاف شأنها ، فصارت في منزلها سفلا ، إلى ارتفاع ومعتلى ، فهما في قولهم قد بطلا ، وقد يوجدان بالعيان علوا وسفلا ، وهذا نفس متناقض المحال ، وعين متدافع الأحوال ، إذ في أن يبطلا فقدانهما ، وفي أن يوجدا بطلانهما ، فعدمهما وجود ، وغيبتهما

--> ( 1 ) في ( أ ) : وأما . ( 2 ) في ( ب ) : جوهرها . ( 3 ) سقط من ( ب ) و ( د ) : في المزاج . ( 4 ) في ( ب ) و ( ج ) و ( د ) : ببديع . وفي ( أ ) و ( ج ) : خسر . وفي ( ب ) و ( د ) : حسر . وكلاهما مصحفتان . والصواب ما أثبت . والجسر : الإقدام ، والمضي ، والجرأة .