القاسم بن إبراهيم الرسي

366

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

وتوجّهه من تنزيل اللّه في كتابه ، بهذه الوجوه كلها في فهمه وإعرابه ، يدل على غير ما توهم فيما « 1 » ذكر كله ، إلا أن يأبى ذلك مكابرة لعقله . وقوله في الكيد استدرجهم سبحانه من حيث لا يعلمون « 2 » ، وقوله في المنافقين : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] . وقوله سبحانه في الاستهزاء : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) [ البقرة : 15 ] ، فإنما يريد تركه لهم وتأخيره إياهم وهم عاصون ، لا ما ظنه ابن المقفع باللّه كذبا ، ولا استهزاء يكون من اللّه لعبا ، كقول قوم موسى إذ قال لهم ، صلى اللّه عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 67 ) [ البقرة : 67 ] . فهذا الاستهزاء إذا كان كذبا ، وقول الخادع فإذا كان لعبا ، فإلى المخلوق يضاف وينسب ، لا أنه هو الذي يلهو ويلعب ، فهذا وجه الاستهزاء منه والخداع والمكر ، لا ما يذهب إليه كل عميّ ضيق العلم والصدر . وإذا قيل له سبحانه يرضى أو يحب ، أو يأسف أو يسخط أو يغضب ، فإنما ذلك إخبار عن أقدار الطاعة والعصيان ، وجزاء الإساءة عنده والاحسان ، لا يتوهم مع ذلك ضمير مسكون ، ولا حركة منه في رضى ولا سخط ولا سكون ، وكيف يكون عندنا غير هذا وهو عندنا - ويله - لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] . الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 24 ) [ الحشر : 24 ] . وأما قوله : فما باله جزع في غير كنهه من عمل يديه . فهي « 3 » أخوات قوله : انقلب وافتخر وأنشأ التي لا تخرج إلا من بين جنبيه ، ومتى زعم - ويله - أنا أخبرناه أنه جزع ، أو سخط أو كره أو عاب شيئا مما صنع ؟ ! وأما قوله : ابتدع الأشياء مما كان هاذيا فيه .

--> ( 1 ) في ( ب ) و ( د ) : مما . ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [ القلم / 44 ] . ( 3 ) في ( أ ) : فهو . وفي ( ج ) : فهو . إلا أنه وضع الواو على شكل ياء ونقطها من تحت .