القاسم بن إبراهيم الرسي

105

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

العدل العدل الإلهي - عند المؤمنين باللّه تعالى - قضية بديهية لا يرقى إليها شك ، ولا يعتريها ريب ، ولا تحوم حولها شبهة . وكل الأديان السماوية ، وكل معطيات العقل السليم والمنطق العلمي مقرّان بذلك أتم اقرار ، ومذعنان له أكمل اذعان . ولهذا لم يكن العدل الإلهي - بمعناه البحت المجرد - معضلة من المعضلات الفكرية المعقدة التي تحتاج إلى تجريد بحث خاص ، يعنى بتسجيل براهينها وايراد أدلتها ومناقشة ما قيل ويقال بشأنها من شبهات وشكوك . بل ربما يعتبر البحث فيها تافها إلى حد بعيد ، لأنه من قبيل الحديث عن توضيح الواضحات والاستدلال على المسلّمات . ولكن المسائل الفكرية البديهية قد تحوطها ملابسات هامشية معينة ، وتضاف إليها تفريعات جانبية معقدة ، وتلقى عليها ظلال قائمة من التفاسير والشروح والتأويلات ، فيتكدر صفاؤها وينطمس إشراقها وينقلب وضوحها إلى لغز وجلاؤها إلى غموض ، ويصبح استكشاف الواقع - في هذه الحال - محتاجا إلى كثير من البحث والمناقشة والأخذ والرد ، لتظهر الحقيقة الضائعة جلية ناصعة ، لا يحجبها ضباب الحواشي والتفريعات ، ولا تطمس معالمها تلك الأكداس الهائلة من المجادلات العقيمة المطولة . المجبرة القدرية الإيمان بالقضاء والقدر عقيدة من العقائد التي أسسها الإسلام على الإيمان باللّه عز وجل ، وبناها على المعرفة الصحيحة لذاته العليا ، وأسمائه الحسنى ، وصفاته العظمى . ولا ريب أن الإسلام قد أوجب للّه نعوت الكمال ، وصفات الجلال والجمال ، ودواعي الحمد والتمجيد . ووافق العقل النقل في ذلك كله ، ثم فصلت هذه الكمالات الواجبة لرب الوجود : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ( 3 ) [ الأعلى : 2 - 3 ] . فكان في عداد ما ينبغي الإيمان به والاطمئنان إليه ، أن للّه وحده صفات العلم