القاسم بن إبراهيم الرسي
106
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
الواسع ، والإرادة الشاملة ، والقدرة الكاملة ، وأنه - سبحانه - فعال لما يريد ، عالم بما يفعل . وعلى هذه الصفات قامت عقيدة القضاء والقدر . فكان الإيمان بها - لا ريب - جزءا متمما للإيمان باللّه ، وعنصرا من حقيقته الواضحة المشرقة . نعم إن اللّه وسع كل شيء علما ، وأحاط بكل شيء خبرا . سواء في هيمنته : دبيب النمل في جحورها ، أو وثبات الأفلاك في مداراتها . وشمول علمه يستغرق الأمكنة على تعدادها ، والأزمنة على تطاولها . فما تغيب عنه بقعة في المشرق أو في المغرب ، وما يغيب عنه يوم في الأزل أو الأبد . وأحداث الحياة - وما أكثر ما يلوح في آفاق الحياة من خير وشر ، وبأس ورجاء ، وحزن وفرح - ذلك كله استوعبه العلم الإلهي عدا وإحصاء : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ يونس : 61 ] . وفي صفحات هذا الكتاب خطّت سطور القضاء والقدر ، وعرفت مصاير الأمور ، ووضّحت نهاياتها ، من شقاوة وسعادة . ولكن أنّى لنا علم بذلك ؟ إنما الغيب كتاب صانه * عن عيون الخلق رب العالمين ليس يبدو منه للناس سوى * صفحة الحاضر حينا بعد حين ويتعلق القضاء والقدر بوقائع الحياة وأحداثها وأعمال الناس وتصرفاتهم على نحوين واضحين متميزين ! لكل نحو منهما حكمه الخاص وآثاره التي تترتب عليه . وبين كلا القسمين فواصل قائمة ، تجاهلها يوقع في الدين الغموض والاضطراب ، ولذلك سنوضح حدود كل قسم ومعالمه . نحن مجبورون في هذا هناك أمور تحدث وتتم بمحض القدرة العليا ، وعلى وفق المشيئة الإلهية وحدها ، وهي تنفذ في الناس طوعا أو كرها ، سواء شعر بها الناس أو لم يشعروا . فالعقول