ابن رشد
80
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
الأشياء التي عدّدت في تعريف أصناف الكلام المجازي " ، كما بين ذلك في " فصل المقال " . « 7 » وهكذا ، يقول ابن رشد ، ف " إذا استقرئ الكتاب العزيز وجدت ( الطريقة الشرعية البرهانية التي نبه القرآن عليها ) تنحصر في جنسين : أحدهما طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق الموجودات من أجله ، ولنسم هذه دليل العناية . والطريقة الثانية ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات ، مثل اختراع الحياة في الجماد والإدراكات الحسية والعقل ، ولنسم هذه دليل الاختراع " ( ف : 69 ) . أ - دليل العناية الدليل الأول مبني على مقدمتين إحداهما : " أن جميع الموجودات التي هاهنا موافقة لوجود الإنسان " ، والأخرى : " أن هذه الموافقة هي ، ضرورة ، من قبل فاعل قاصد لذلك مريد " . والنتيجة هي وجود فاعل مريد جعل الموجودات موافقة للإنسان وهذا الفاعل المريد هو الله . وكما هو الشأن في القياس البرهاني فإن صدق النتيجة يتوقف على صدق المقدمتين . أما المقدمة الأولى فيثبت صدقها و " يحصل اليقين - بها - باعتبار موافقة الليل والنهار والشمس والقمر لوجود الإنسان وكذلك موافقة الأزمنة ( - الفصول ) الأربعة له والمكان الذي هو فيه أيضا وهو الأرض [ . . . ] وكذلك أيضا تظهر العناية في أعضاء البدن وأعضاء الحيوان ، أعني كونها موافقة لحياته ووجوده " ، وهذا ما ينبه القرآن إليه في مواضع كثيرة ، يذكر ابن رشد عددا منها ( ف : 78 ) . وأما المقدمة الثانية ، أي كون هذه الموافقة هي بالضرورة من قبل فاعل قاصد مريد ، فهي صادقة يقينية إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق ، أي نتيجة مصادفة ، لأن كل ما في العالم مبني على ترتيب ونظام وعلى ارتباط المسببات بأسبابها ارتباطا ضروريا ، كما سيتبين لنا بعد قليل عند تعرضنا لنقد ابن رشد لفكرة " العادة " ومبدأ التجويز لدى الأشاعرة . ب - دليل الاختراع أما الدليل الثاني على وجود الله ، دليل الاختراع ، فمبني ، هو الآخر ، على أصلين : أحدهما أن موجودات العالم مخترعة ، والثاني أن كل مخترع فله مخترع . والنتيجة : أن للوجود فاعلا مخترعا له . وهذه النتيجة صادقة يقينية لأن المقدمتين
--> ( 7 ) نفسه . ص 97 .