ابن رشد

81

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

صادقتين يقينيتين كذلك ، لأنهما عبارة عن " أصلين موجودين بالقوة في جميع فطر الناس ، والقرآن قد نبه إلى هذين الأصلين في غير ما آية " ( ف : 79 ) . تلك كانت خلاصة مناقشة ابن رشد لأدلة الأشاعرة في أهم مسألة في علم الكلام ، مسألة إثبات وجود الله ، وذلك هو البديل الذي يقدمه ويعتبره أقرب إلى روح القرآن وإلى أفهام الجمهور . والشرع في نظره إنما خاطب الجمهور حسب فهمهم أي حسب " ما هو مدرك بالمعرفة الأولى بالحس " . أما العلماء فلهم أن يتوسعوا ويتعمقوا ، ولكن لا عن طريق الجدل والسفسطة كما يفعل المتكلمون ، بل عن طريق البرهان . وطريق البرهان في هذه المسألة هي الاستدلال بالحركة على المحرك الأول ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك . أما طريق " الحدوث " و " القدم " فهي ملتوية تثير شكوكا كثيرة مستعصية وهي إلى ذلك كله ليس لها سند من القرآن ، فليس في القرآن لفظ " قدم " ولا لفظ " حدوث " وليس فيه أن الله " خلق العالم من عدم " . أما دليل العناية ودليل الاختراع فلهما أصل في الشرع وهو الآيات الكثيرة التي تتحدث عن النظام والترتيب في العالم . كما أن لهما أصل في العقل لأنهما يتوافقان مع المعرفة العلمية البرهانية . ( ملاحظة : هذا الطريق لا يتعارض مع ما كان يشكل الفهم العلمي - الأرسطي - للأشياء زمن ابن رشد . فدليل العناية ينسجم تماما مع نظام الكون - الكوسموس - ، كما أن دليل الاختراع ينسجم مع فكرة الصنع ، لا الخلق من عدم . ذلك أن الاختراع هنا هو اختراع ل " الصورة " في " المادة " : صورة الكرسي في مادة الخشب مثلا ، وكل مادة تحمل صورة ( - هيئة الخشب قبل أن يصير كرسيا ) ، ويتسلسل الأمر نزولا إلى المادة غير المتعينة ، التي لا صورة لها وهي الهيولى أو المادة الأولى . كما يتسلسل الأمر صعودا إلى الصور التي ليست في مواد . والصورة التي ليست في مادة هي صورة روحانية : نفس . وتستكمل النفس البشرية كمالها ، أي استقلالها التام عن المادة ، أي عن الحس ومعطياته ، بالتعمق في المعارف والعلوم فتصير عقلا ، وتصير موضوعات تفكيرها ، أي المعقولات ، مفاهيم مجردة لا تحتاج إلى الحس ولا إلى المعرفة الحسية ، كما هو الشأن في الرياضيات ، وبذلك تصير معقولاتها هي العقل نفسه ، وبذلك يصير عقلا مفارقا أو