ابن رشد
79
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
لا يخلو . . . وأما المفهوم الأول ، أي ما لا يخلو من جنس الحوادث ، وهو الذي يريدونه ، فليس يلزم عنه حدوث المحل . ذلك لأنه يمكن أن يتصور المحل ، أعني الجسم ، تتعاقب عليه أعراض غير متناهية ، إما متضادة ( كالسواد والبياض ) وإما غير متضادة ، كأنك قلت : حركات لا نهاية لها ، كما يرى ذلك كثير من القدماء قي العالم أنه يتكون : شيء من شيء ، وواحد بعد آخر . وقد أحس المتأخرون من الأشاعرة بضعف هذه المقدمة ، فشدوها بقولهم : لا يمكن أن تتعاقب على محل واحد أعراض لا نهاية لها ، لأن ذلك يؤدي إلى انقضاء ما لا نهاية له قبل حدوث عرض معين مشار إليه ، كهذا السواد في هذا القلم مثلا . ويرد ابن رشد قائلا : هذا لا ينفعهم لأنهم لم يفطنوا أن هذا صحيح فقط بالنسبة للحركة المستقيمة ، أما بالنسبة للحركة الدائرية فلا . فإذا تعاقبت الأعراض تعاقبا دائريا ، مثل : " إن كان غيم فقد كان بخار صاعد من الأرض ، وإن كان بخار صاعد من الأرض فقد ابتلت الأرض ، وإن كان ابتلت الأرض فقد كان مطر ، وان كان مطر فقد كان غيم " ، وتعود السلسلة نفسها . . . فإنه لا يلزم انقضاء ما لا نهاية له قبل حدوث عرض معين كالمطر مثلا ( ف : 42 - 47 ) . كان ذلك باختصار هو نقد ابن رشد لنظرية الجوهر الفرد التي بنى عليها الأشاعرة استدلالاتهم على حدوث العالم . والهدف من إثبات حدوث العالم هو الانتقال منه إلى إثبات " الصانع " ، أعني وجود الله . أما البديل الذي يقدمه فيلسوفنا فهو كما يلي : ما دام الهدف هو إثبات الصانع فلنقم بذلك مباشرة ولنستدل بالعالم ، كما هو موجود أمامنا منظما مرتبا ( وليس بحدوثه المفترض ) ، على أن له صانعا ، وهذه في نظر ابن رشد هي الطريق التي سلكها القرآن وهي التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها . 2 - الطريق التي قصد الشرع حمل الناس عليها الطريقة التي تكشف عن " الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها " ، فهي في نظر ابن رشد ، الطريقة التي تعتمد استقراء القرآن والوقوف عند ظاهر ألفاظه وعدم التجاوز بالتأويل - فيما لا بد فيه من تأويل - " إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية ، من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو سببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من