ابن رشد

67

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

ليس هذا فحسب ، بل إننا نستطيع أن نقرأ عنوان كتاب الجويني في عنوان كتاب ابن رشد بوصفه ، أعني هذا الأخير ، ردا مباشرا ، أو معارضة " كلامية " صريحة . إن النص الكامل لعنوان كتاب الجويني هو : " الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد " . أما كتاب أبي الوليد ابن رشد فعنوانه الكامل هو كما يلي : " الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة " فالمعنى إذن واحد : الإرشاد - أو الكشف عن - الأدلة ( العقلية ) التي تثبت بها عقائد الإسلام . غير أن هذا التطابق على مستوى العنوان الرئيسي سيتحول إلى " تعارض " بل إلى معارضة صريحة بمجرد ما ننتبه إلى العنوان الفرعي لكتاب ابن رشد والذي يهمل ذكره في الغالب . ذلك أن العنوان الكامل لهذا الكتاب هو كما يلي : " الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة وتعريف ما وقع فيها بحسب التأويل من الشّبه المزيّفة والبدع الضالة " . وهكذا فبينما يقتصر الجويني في كتابه على تقرير مذهب الأشعرية في صورته الرسمية التي اتخذها في زمانه ، يأخذ ابن رشد على عاتقه مهمة مزدوجة قوامها نفي وإثبات ، نقد وتقديم بديل . ذلك ما يصرح به ابن رشد في مستهل كتابه حيث يشرح الغرض من تأليفه فيقول : " . . . فقد رأيت أن أفحص في هذا الكتاب عن الظاهر من العقائد التي قصد الشارع حمل الجمهور عليها وأتحرى في ذلك كله مقصد الشارع ( ص ) بحسب الجهد والاستطاعة ، فإن الناس قد اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب ، في هذه الشريعة ، حتى حدثت فرق ضالة [ . . . ] اعتقدت في الله اعتقادات مختلفة وصرفت كثيرا من ألفاظ الشرع عن ظاهرها إلى تأويلات نزّلوها على تلك الاعتقادات وزعموا أنها الشريعة الأولى التي قصد بالحمل عليها جميع الناس [ . . . ] ، وإذا تؤمّلت جميعها وتؤمل مقصد الشرع ، ظهر أن جلها أقاويل محدثة وتأويلات مبتدعة " ( ف : 1 - 4 ) . يتعلق الأمر إذن بمهمتين اثنتين : الكشف عن العقائد التي قصد الشارع حمل الجمهور عليها من جهة ، والتعريف ب " الأقاويل المحدثة " و " التأويلات المبتدعة " التي تقررها فرق المتكلمين ، وعلى رأسها الأشعرية . ومع أن المهمتين مستقلتين إحداهما عن الأخرى فإن ابن رشد يحرص على الربط بينهما : تارة يقدم الأولى ويؤخر الثانية ليجعل " الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها " بديلا قرآنيا عن تأويلات الأشعرية ، وتارة يفعل العكس : يقدم البديل القرآني أولا ثم يأتي بالمذهب الأشعري بوصفه ابتداعا وانحرافا الخ . . .