ابن رشد

68

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

ومهما كان الأمر فالقضية المطروحة ليست مجرد قضية " كلامية " ، قضية رأي أو آراء مقابل أخرى ، كلا . إن المسألة أعمق من ذلك وأبعد أثرا : إنها قضية العقائد التي يجب أن يحمل الجمهور - بل جميع الناس - عليها ، وبالتالي قضية " الدين والمجتمع " . 3 - القضية : قضية الدين والمجتمع هكذا يرتبط كتاب " الكشف عن مناهج الأدلة " بكتاب " فصل المقال . . . " ، على هذا المستوى أيضا ، ارتباطا مباشرا : فهو استمرار له وتتمة ، كما نبه إلى ذلك ابن رشد نفسه في أول الكتاب ( ف : 1 ) . وكان قد وعد به في خاتمة " فصل المقال " عندما نبه إلى أن " التأويل الحق [ . . ] ليس يوجد - كما يقول - لا في مذاهب الأشعرية ولا في مذاهب المعتزلة ، أعني أن تأويلاتهم لا تقبل النصرة ، ولا تتضمن التنبيه على الحق ولا هي حق ، ولهذا كثرت البدع " . ثم يؤكد أنه : " من قبل التأويلات والظن بأنها يجب أن يصرح بها في الشرع نشأت فرق الإسلام حتى كفر بعضهم بعضا وبدع بعضهم بعضا وبخاصة الفاسدة منها ، فأولت المعتزلة آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ، وصرحوا بتأويلهم للجمهور ، وكذلك فعلت الأشعرية ، وإن كانوا أقل تأويلا ، فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق " . « 2 » واضح إذن أن الشاغل الذي كان يؤطر تفكير ابن رشد في الكتاب الذي بين أيدينا ، كما في الكتاب الذي سبقه ( فصل المقال ) ، لم يكن مجرد شاغل كلامي نظري ، بل هو أساسا شاغل اجتماعي سياسي يتمثل في " الإضرار " التي نجمت عما قامت به الفرق الكلامية من " التصريح للجمهور " بتأويلاتها ، وما نتج عن ذلك من " شنآن وتباغض وحروب " وتمزيق للشرع وتفريق للناس " كل التفريق " . وتتضح آفاق هذا الشاغل الاجتماعي السياسي في ثنايا الكتاب ، وفي أكثر من موضع . فهو يشبه حال الشريعة ، يعني الدين ، بدواء ركبه من عدة عناصر " طبيب ماهر ليحفظ صحة جميع الناس أو الأكثر " ، فجاء رجل لم يناسبه ذلك الدواء فغير من تركيبه وقال للناس : هذا هو الذي قصده ذلك الطبيب ، فصدقوه وأخذوا من ذلك الدواء ، فأصابهم بسببه مرض ، ثم جاء رجل آخر وادعى نفس

--> ( 2 ) ابن رشد . فصل المقال . مركز دراسات الوحدة العربية . بيروت . ص 121 - 122 .