ابن رشد
41
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
4 - مشروع إيديولوجي ينتظر التحقيق . . . كانت أسرة ابن حزم من كبريات الأسر التي خدمت الدولة الأموية في الأندلس . كان أبوه وزيرا لدى المنصور ابن أبي عامر على عهد هشام المؤيد ( تولى الخلافة سنة 366 ه ) الذي دخلت الدولة الأموية بالأندلس في عهده ، ومباشرة بعد وفاة المنصور ابن أبي عامر ، في أزمة هيكلية خطيرة بسبب النزاعات على الخلافة داخل الأسرة الأموية من جهة ، وكثرة الثورات ضدها من جهة ثانية . وقد ظلت هذه الأزمة تنخر كيانها إلى أن سقطت نهائيا سنة 422 ه . كان ابن حزم خلال هذه الأزمة في طليعة " الحزب " الذي كان يغالب الزمن ويصارع الثائرين بهدف إعادة الحكم لبني مروان . وقد تمكن هذا " الحزب " فعلا من تنصيب " خلفاء " منهم استوزر ابن حزم لبعضهم ومن بينهم المعتمد آخر ملوك بني أمية ( خلع سنة 422 ه ) . وإذن فظاهرية ابن حزم ، منظورا إليها على ضوء الأحداث التي عايشتها ، لم تكن مجرد موقف فكري معزول عن الواقع وصراعاته ، بل كانت بمثابة إعلان نضالي للمشروع الإيديولوجي الذي كان يختمر في الأندلس ليكون السلاح النظري الذي تواجه به الدولة الأموية خصميها التاريخيين : العباسيين في بغداد والفاطميين في مصر ( ومعلوم أن سقوط دولة الأمويين كان على يد الحموديين الشيعة الذين كانت لهم إمارة في شمال الأندلس وكانوا حلفاء للفاطميين ) . كانت ظاهرية ابن حزم ، إذن ، عبارة عن مشروع إيديولوجيا كلية متكاملة تطمح إلى تعميم نفسها على المجتمع ككل ، لكان لا بد لها من سلطة سياسية تفرضها . ولم يكن من الممكن أن تحقق ما كانت تصبو إليه من الانتشار والهيمنة الفكرية والثقافية في وقت كانت فيه الدولة ، التي كانت " الحزمية " تنطق باسمها وتحمل مشروعها الإيديولوجي ، تلفظ أنفاسها الأخيرة . وهذا ما كان ابن حزم يدركه ويعيه جيدا ، وقد عبر عنه بقوله : " وأما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر : أزهد الناس في عالم أهله ، وقرأت في الإنجيل أن عيسى عليه السلام قال : لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده ، وقد تيقنا ذلك بما لقي النبي ( ص ) من قريش " . وكان يقول : " إن مذهبين انتشرا بقوة السلطان ، مذهب مالك في المغرب ومذهب أبي حنيفة بالمشرق " ، « 39 » الشيء الذي يعبر بوضوح عن وعيه بأن مذهبه لن يكتب له الانتشار إلا إذا توفر له سلطان سياسي يفرضه .
--> ( 39 ) انظر : محمد أبو زهرة . ابن حزم . دار الفكر العربي . القاهرة . د . ت . ص 516 - 522 .