ابن رشد

42

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

5 - ابن تومرت . . . تحقيق بعدي للحزمية ولكن الإيديولوجيات التجديدية الثورية التي من هذا النوع لا تموت ، بل لا بد أن يأتي من يستعيدها بصورة أو بأخرى عندما تصبح الحاجة الاجتماعية إليها قائمة والظروف ناضجة . ذلك ما سيحصل بعد أزيد قليلا من خمسين سنة ، إذ ستصبح " ظاهرية ابن حزم " أساسا لحركة سياسية ثورية قادها في المغرب المهدي ابن تومرت ضد دولة المرابطين المغربية الفتية ، التي استنجد بها كبراء الأندلس لجعل حد للحرب الأهلية فيها بين ملوك الطوائف ورد أطماع الملوك الأسبان في استردادها . لقد انتقل يوسف بن تاشفين أمير المرابطين إلى الأندلس ثلاث مرات للجهاد وانتهى به الأمر أخيرا إلى أن جعلها تحت حكمه المباشر ابتداء من سنة 484 ه . كان الجهاز الإداري والسياسي للمرابطين القادمين من الصحراء خاضعا لنفوذ الفقهاء الذين كانوا مالكيين متشددين و " مقلدين " ، فخنقوا حرية الفكر التي كانت قد ازدهرت عندما انحلت فيها السلطة المركزية وأصبح الأمر لملوك الطوائف الذين كانوا يتنافسون على الظهور بمظهر الأبهة ، فشجعوا العلم والعلماء . أما في المغرب فقد كانت ممارسات الفقهاء امتدادا لنفس الظاهرة التي كانت سائدة من قبل ، ظاهرة هيمنة التقليد في الفقه والعقيدة . وذلك هو " الجمود " و " الانحراف " الذين سيركز عليهما ابن تومرت حركته الإصلاحية ، بل الثورية . اتخذ المهدي ابن تومرت شعار " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " سلاحا دينيا ، واتخذ شعار " ترك التقليد والرجوع إلى الأصول " سلاحا إيديولوجيا ، فراح يوجه الضربات لكيان الدولة المرابطية الديني والإيديولوجي . كان المرابطون في نظر ابن تومرت منحرفين عن الدين الصحيح ، عن التوحيد ، لأن علماءهم اعتمدوا القياس ، قياس الغائب على الشاهد ، فأوقعوا الناس ، وأوقعوا أنفسهم ودولتهم ، في التشبيه والتجسيم على مستوى العقيدة ، بقياسهم الله على الإنسان ، كما كرسوا " التقليد " على مستوى الشريعة بوضعهم الفروع مكان الأصول فابتعدوا عن الكتاب والسنة . من هذا المنطلق الذي يستعيد بكيفية مباشرة المضمون الديني والأساس الإبيستيمولوجي ل " ظاهرية " ابن حزم سار ابن تومرت بحركته إلى نهايتها ، إلى تأسيس الدولة الموحدية التي ستجسم باستراتيجيتها الثقافية المشروع الإيديولوجي الذي ناضل ابن حزم من أجله . لننظر إذن إلى الكيفية التي استعادت بها الدولة