ابن رشد
40
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
والله ليس جسما ولا عرضا ، بل هو " محرك ليس متحركا ومصور ليس متصورا " . « 36 » وهذا تبنّ صريح لنظرية أرسطو التي كانت تمثل في زمانه رأي " العلم والبرهان " . أما التمييز بين الذات والصفات في الله فهو في نظر ابن حزم بدعة فالله " لم يطلق لفظة " الصفة " على نفسه ولا النبي ولا الصحابة " . وبالتالي فلا معنى للتنازع حول " الصفات " ، هل هي " زائدة على الذات " أم غير زائدة ؟ لا معنى للقول إن علم الله هو غير الله وهو مخلوق ، ولا أنه غير الله وغير مخلوق كما يقول الأشعري والباقلاني ( يذكرهما ابن حزم بالاسم ) وهو يرى أن " هذا قول لا يحتاج في رده إلى أكثر من أنه شرك مجرد وإبطال للتوحيد لأنه إذا كان مع الله شيء غيره لم يزل معه فقد بطل أن يكون الله تعالى كان وحده [ . . . ] وما قال بهذا أحد قط من أهل الإسلام قبل هذه الفرقة ( - الأشعرية ) المحدثة بعد الثلاث مائة عام ، فهو خروج عن الإسلام وترك للإجماع المتيقن " « 37 » . ويضيف قائلا : " والعجب مع هذا كله تصريح الباقلاني وابن فورك في كتبهما في الأصول وغيرها بأن علم الله تعالى واقع مع علمنا تحت حد واحد ، وهذه حماقة ممزوجة بهوس إذ جعلوا ما لم يزل محدودا بمنزلة المحدثات " أي قاسوا علم الله على علم الإنسان فجعلوه محدودا مثله ، هذا في حين أن القياس هنا لا يجوز لاختلاف طبيعة كل من العلمين : علم الله غير محدود وعلم الإنسان محدود . وكذلك الشأن في مسألة الإرادة والاختيار . فالاختيار بالنسبة لله هو أنه يفعل ما يشاء وكيف شاء . أما الإنسان فالاختيار بالنسبة له هو ذلك الميل الذي خلق الله فيه نحو شيء معين . وهذه فكرة سيقول بها ابن رشد بعد أن يطورها . « 38 » نعم تتردد أصداء هذا النقد بوضوح في كتاب ابن رشد الذي بين أيدينا - كما سنرى - وقد ترددت قبل ذلك لدى مؤسس الدولة التي عاش ابن رشد في كنفها . إنه ابن تومرت الذي بعث ظاهرية ابن حزم ونقلها من مجرد مذهب ، يشتكي صاحبه من افتقاده لسلطة الدولة التي تقره ، إلى " دعوة " للتغيير والتجديد كما سنرى .
--> ( 36 ) ابن حزم . الفصل . نفس المعطيات السابقة . ج 2 . ص 113 . ( 37 ) نفسه . ج 2 . ص 135 . ( 38 ) نفسه . ج 2 . ص 136 .