ابن رشد
39
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
أن " الطبائع والعادات مخلوقة لله ، خلقها الله عز وجل فرتب الطبيعة على أنها لا تستحيل ( - تتحول ) أبدا ، ولا يمكن تبدلها عند كل ذي عقل " . أما القياس فهو ، في نظره ، لا يصح ولا يجوز إلا داخل أفراد النوع الواحد ، أي داخل مجموعة يشترك أفرادها في طبيعة واحدة . أما عندما يتعلق الأمر بعناصر من مجموعات مختلفة لا تجمعها طبيعة مشتركة فلا يجوز القياس . ومن هنا كان القياس في الفقه ، والاستدلال بالشاهد على الغائب في علم الكلام ، منهجا فاسدا : ذلك لأن الفقهاء يقيسون أشياء على أشياء تختلف بالنوع بمجرد وجود شبه بينها ، هذا في حين أن الشبه بين الأشياء لا يوجب استواء في الأحكام . ولو كان الأمر كذلك لكان للأشياء كلها حكم واحد ، لأنه ما من شيء إلا ويقوم بينه وبين غيره شبه ما . أما ترجيح شبه على آخر واعتباره علة من طرف الفقيه فهو - مجرد ظن . والشرع لا يجوز بناؤه على الظن ، بل لا بد من القطع ، والقطع لا يكون إلا بنص . أما استدلال المتكلمين ، فهو استدلال فاسد كذلك ، لأن طبيعة الشاهد ( عالم الإنسان ) غير طبيعة الغائب ( عالم الإله ) ، فكيف يمكن الاستدلال بتلك على هذه وهما على طرفي نقيض : عالم الإنسان هو عالم النقص والفساد بينما عالم الإله كله كمال ودوام . ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المنهج الذي يتبناه ابن حزم بديلا عن منهج المتكلمين هو ما يسميه ب " حجج العقول " وهو المنهج الذي يعتمد استخلاص النتيجة من مقدمات صحيحة مستمدة من معطيات الحس والتجربة ويقبلها العقل . وبكلمة واحدة : المنطق الأرسطي ، الذي يقول عنه ابن حزم إنه " علم مظلوم ، ونصر المظلوم فرض وأجر " . ومعلوم أن ابن حزم قد ألف كتابا في المنطق جعل عنوانه " التقريب لحد المنطق والمدخل إليه " استعمل فيه أمثلة سهلة بسيطة " فاشية الاستعمال " حتى يكون سهل التناول والتطبيق من طرف الجميع ، خاصة الفقهاء ، فإن من لا يعرف المنطق " لم يجز له أن يفتي بين اثنين لجهله بحدود الكلام وبناء بعضه على بعض وتقديم المقدمات وإنتاج النتائج " . « 35 » وكما يرفض ابن حزم آراء الأشاعرة في " دقيق الكلام " يقف ضد وجهات نظرهم في جليله ، وهذه أمثلة : فبخصوص الذات الإلهية يرى ابن حزم أنه من غير الجائز اعتماد القياس في تصورها . ذلك أن الذوات في الشاهد ، ومنها ذات الإنسان ، هي أجسام وأعراض ،
--> ( 35 ) ابن حزم . التقريب لحدود المنطق والمدخل إليه . تحقيق إحسان عباس . مكتبة الحياة . بيروت . ص 8 - 10 . قد سبق ابن حزم الغزالي إلى فكرة تعريب المنطق باستعمال أمثلة من الحقل الثقافي العربي الإسلامي .