ابن رشد
38
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
وأما ما عدا ذلك مما لا يصح ببرهان ، وإنما هو إقناع أو شغب فالقرآن وكلام النبي ( ص ) منه خاليان " . « 30 » إن هذا يعني أن ما في كتب الفلاسفة من المعارف " البرهانية " هو أقرب إلى ما في القرآن من تأويلات المتكلمين . ذلك ما سيعبر عنه ابن رشد ثم ابن تيمية من بعده ب " موافقة صريح المعقول مع صحيح المنقول " . « 31 » وصريح المعقول هو ما تعطيه التجربة ولا يتعارض مع العقل . وآراء المتكلمين لا تتوافر فيها هاتان الصفتان . ذلك انهم يتعاملون مع " الشاهد " ( معطيات الحس والتجربة ) لا كما هو في نفسه بل يبنونه بالصورة التي تمكنهم من الاستدلال به على صحة عقائدهم في " الغائب " ( - عالم الألوهية ) . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى هم لا يلتزمون بمبادئ العقل بل يتخذون مواقف متعارضة معها ، وذلك مثل ما يقولونه في الجوهر الفرد وما يقررونه من التجويز وعدم ارتباط المسببات بأسبابها ارتباطا ضروريا . يرفض ابن حزم إذن ، المبادئ التي شيد عليها المتكلمون آراءهم ومذاهبهم وفي مقدمتها نظريتهم في الجوهر الفرد وفي التجويز ، كما ينتقد منهجهم : الاستدلال بالشاهد على الغائب . ينتقد ابن حزم هذه المبادئ ويرفضها ويشهر بنتائجها : - يرفض القول بالجوهر الفرد وما يترتب عنه من القول بالانفصال « 32 » ويتبنى موقف الفلاسفة ( أرسطو خاصة ) ، فيؤكد أن الجوهر ليس شيئا آخر غير الجسم ، ف " كل جوهر جسم وكل جسم جوهر ، وهما اسمان معناهما واحد " ، وأنه لا وجود للخلاء : " ليس في العالم خلاء البتة وأنه كرة مصمتة لا تخلل فيها " « 33 » . - كما يرفض القول بالتجويز « 34 » الذي يترتب عنه إنكار الطبائع وإنكار السببية ، ويرى أن " هذا المذهب الفاسد " لا أصل له في الشرع ولا في العقل مقررا
--> ( 30 ) نفسه . ج . 2 ص 93 - 95 . ترسخت هذه الفكرة في الأندلس وتم التعبير عنها بالقول : إن الأمر الشرعي لا يخاف الأمر الوجودي ، وأنه إذا ظهر هناك تعارض أوّل الشرع حسب ما يعطيه الوجود . ( 31 ) لابن تيمية كتاب بهذا العنوان . ( 32 ) أقصد الرؤية التي تنظر لأشياء العالم كأجزاء منفصلة كالذرات ، على عكس الرؤية التي تقوم على الاتصال والتي تنظر إلى الأشياء في ارتباط بعضها ببعض كالأمواج . ( 33 ) يقول المتكلمون : إن الجواهر الفردة تتحرك في الخلاء ، إذ لا بد من الخلاء لتبقى منفصلة مستقلة . أما أرسطو فكان يقول إن الخلاء غير معقول : لا يمكن تصوره . أما الفضاء أو ما يبدو فارغا فهو مملوء بمادة الأثير ، وهي عنده عنصر خامس تختلف طبيعته عن العناصر الأربعة المعروفة : الماء والتراب ، والنار والهواء . ومعنى قول ابن حزم : العالم كرة مصممة هو أنه لا فراغ فيها وكانوا يتصورون العالم على غرار البصلة ، والأفلاك التي تجري عليها النجوم والكواكب التي تحيط بالأرض هي كقشرات البصلة . ( 34 ) التجويز هو إنكار السببية والقول بأن كل شيء جائز في العقل . كما سنرى عند نقد ابن رشد لنظرية الجوهر الفرد . ومن أجل تفاصيل وافية حول مبدأ التجويز لدى الأشاعرة : أنظر كتابنا " بنية العقل العربي " م . د . و . ع . بيروت . قسم البيان . الفصلان : الخامس والسادس .