ابن رشد
37
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
القضيتين الأساسيتين اللتين نشأ " علم الكلام " من الخلاف حولهما : مسألة الإيمان ، هل هو قول باللسان ( شهادة أن لا إله إلا الله ) فقط ، أم قول وتصديق بالقلب أم أنه قول وتصديق وعمل ( امتثال للأوامر والنواهي ) من جهة ، وقضية الإمامة من جهة أخرى ( هل هي محصورة في علي وذريته أم أنها لقريش وحدها أم أنها لعموم المسلمين ) . . . وما يهمنا هنا أكثر هو نقده للمذهب الأشعري ، وقد كان معاصرا لأكبر بناته ، وهو المذهب الذي سيركز عليه ابن رشد فيما بعد نقده للمذاهب الكلامية . فعلا ، كان ابن حزم على صلة مباشرة بهذا المذهب ، يعرض لآراء زعمائه في عصره وعلى رأسهم الأشعري مؤسس المذهب والباقلاني وابن فورك وغيرهم ، ويقول عنه إنه انتشر " في بغداد والبصرة وكان له سوق في صقلية والقيروان وبالأندلس ، ثم رق أمرهم والحمد لله رب العالمين " . « 28 » وما يلفت النظر في نقد ابن حزم هو أنه ، إذا كان يأخذ على الفرق الكلامية ابتعادها عن مذهب " أهل السنة " الذين يقول عنهم إنهم " أهل الحق ، ومن عداهم فأهل البدعة ، فإنهم الصحابة ومن سلك منهجهم من خيار التابعين ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلا فجيلا إلى يومنا هذا ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها " ، « 29 » إذا كان ابن حزم يحدد " أهل الحق " هذا التحديد " السلفي " فإنه لم يتردد في تبني آراء الفلاسفة ، وخاصة أرسطو ، في المسائل التي كانت من ميدان العقل والعلم في عصره ، وتقديمها بديلا عن آراء المتكلمين ، أشاعرة وغيرهم . وهو يفعل ذلك بصراحة وإصرار ، لا لأنه كان فيلسوفا أرسطوطالسيا كابن رشد ، بل لأنه كان يرى أن ما يقوله أرسطو هو أقرب إلى الصحة وإلى الفهم العام والتجربة وبالتالي أقرب إلى ما ينطق به ظاهر النصوص . ينتقد ابن حزم أولئك الذين " لم يزيدوا على طلب علوم الإسناد وجمع الغرائب [ . . . ] فعابوا كتبا لا علم لهم بها ، ولا طالعوها ، ولا رأوا منها كلمة ، ولا قرءوها ، ولا أخبرهم عما فيها ثقة ، كالكتب التي فيها هيئة الأفلاك ومجاري النجوم ، والكتب التي جمع أرسطو طاليس في حدود الكلام " ( - المنطق ) . ثم يضيف : " وهذه الكتب كلها كتب سالمة مفيدة دالة على توحيد الله عز وجل وقدرته ، عظيمة المنفعة في انتقاد جميع العلوم " . ثم يقرر قاعدة ستتردد أصداؤها عند ابن رشد كما سنرى بعد ، وهي " أن كل ما صح ببرهان في أي شيء كان ، فهو في القرآن وكلام النبي ( ص ) منصوص مسطور ، يعلمه كل من أحكم النظر وأيده الله بعلم .
--> ( 28 ) ابن حزم . الفصل في الملل والأهواء والنحل . مكتبة خياط . بيروت . د . ت . خمسة أجزاء في مجلد واحد . ج 4 . ص 204 . ( 29 ) نفس المرجع . ج 2 . ص 113 .