ابن رشد
36
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
ومذهب الدولة العباسية ، هاتان الدولتان اللتان كانتا تتنافسان ، في عداء تاريخي ، على الأندلس ، وتحاربان بالسلاح الإيديولوجي خاصة ، الخلافة الأموية التي كان ابن حزم ينطق باسمها ويحمل مشروعها الثقافي الإيديولوجي . لقد كانت عائلة ابن حزم من كبريات العائلات التي خدمت الدولة الأموية في الأندلس ، فكان أبوه وزيرا لدى الحاجب المنصور ابن أبي عامر على عهد الخليفة هشام المؤيد ( تولى الخلافة سنة 366 ه ) الذي دخلت الدولة الأموية في عهده ، ومباشرة بعد وفاة المنصور بن أبي عامر سنة 393 ه ، في أزمة هيكلية خطيرة بسبب النزاعات على الخلافة داخل الأسرة الأموية نفسها من جهة ، وكثرة الثورات ضدها من جهة ثانية ، فظلت هذه الأزمة تنخر كيانها إلى أن سقطت نهائيا سنة 422 ه . وقد جاءتها الضربة القاضية على أيدي الحموديين الذين كانت لهم إمارة في شمال المغرب وكانوا طالبيين ( - شيعة ) وبالتالي حلفاء للفاطميين كما أشرنا إلى ذلك آنفا . والواقع أن ظاهرية ابن حزم ، سواء في جانبها الهدمي أو في جانبها الإنشائي ، لا يمكن إدراك مضمونها التجديدي الذي يجعل منها لحظة متميزة في تاريخ الثقافة العربية إلا إذا نظر إليها من الزاوية الابستيمولوجية أولا . ذلك أن ما كان يركز عليه ابن حزم نقده رغم طابعه السجالي ، ليس الآراء والأطروحات ، بل الأسس والأصول التي تقوم عليها ، ومن هنا كانت ظاهريته ظاهرية نقدية أصولية وليست ظاهرية نصية اتباعية كما يفهم منها بعض الناس بسبب ربطهم إياها ربطا ميكانيكيا مع ظاهرية داود الأصفهاني ( 202 - 270 ه ) . فعلا يرتبط ابن حزم في مجال الفقه بالمذهب الظاهري الذي أسسه داود وابنه ، غير أنه حتى في هذا المجال نفسه تبدو ظاهرية فقيه قرطبة ذات طابع خاص تماما : إنها تصدر عن رؤية شمولية للعقيدة والشريعة ، رؤية تستلهم المنطق والعلوم الطبيعية والفلسفة . ولا بد ، لإبراز شمولية الرؤية الحزمية ، من التأكيد على موقفه النقدي من الأسس الدينية و " النظرية " التي شيد عليها المتكلمون مذاهبهم ، وهذا ما يهمنا هنا بالدرجة الأولى . 3 - العلم والمنطق أقرب إلى الدين من أقاويل المتكلمين تناول ابن حزم آراء الفرق الكلامية في الإسلام بالتحليل والنقد ، بعد أن صنفها إلى خمسة رئيسية : أهل السنة ، والمعتزلة ، والمرجئة ، والشيعة ، والخوارج . مستندا في هذا التصنيف على مدى قرب أو بعد آرائها من رأي أهل السنة في