ابن رشد
27
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
بأنها من عند الله ولا تتعرضوا لتأويلها ولا لتفسيرها ، لجواز أن تكون ابتلاء ( - أي اختبارا للناس ) فوجب الوقوف والإذعان له . وهكذا - يقول ابن خلدون - قام " الشيخ أبو الحسن الأشعري ، إمام المتكلمين ، فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه ، فأثبت الصفات الأربع المعنوية ( - العلم والحياة والإرادة والقدرة ) والسمع والبصر والكلام القائم في النفس ، بطريق العقل والنقل . ورد على المبتدعة ( - المعتزلة ) في ذلك كله وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح ، وكمل العقائد في البعث وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب ، وألحق بذلك الكلام في الإمامة لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية من قولهم إنها من عقائد الإيمان " . ويضيف ابن خلدون قائلا : " وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري واقتفى طريقته من بعده تلميذه كابن مجاهد وغيره ، وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذبها ، ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار ، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء وأن العرض لا يقوم بالعرض وأنه لا يبقى زمانين وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم ، وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الأدلة عليها وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول [ . . . ] ثم جاء بعد القاضي أبي بكر الباقلاني إمام الحرمين أبو المعالي فأملى في الطريقة كتاب " الشامل " وأوسع القول فيه ، ثم لخصه في كتاب " الإرشاد " واتخذه الناس إماما لعقائدهم " . « 19 » 8 - المذهب الأشعري : التكريس الإيديولوجي ومع أن ما يقوله ابن خلدون هنا إنما يخص تطور علم الكلام على مستوى المنهج خاصة ، فإن بناء الباقلاني المذهب الأشعري على " المقدمات العقلية " التي ذكرها ابن خلدون ، وهي بالتحديد " نظرية " الجواهر والأعراض من جهة ، ومبدأ " بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول " ، أو " ما لا دليل عليه يجب نفيه " من جهة أخرى ، قد حول هذا المذهب إلى عقيدة جامدة منغلقة ومؤدلجة ، بعيدة كل البعد عن بساطة " مذهب أهل السنة " الذين يحتكمون إلى ظاهر النصوص الدينية من قرآن وسنة . ذلك أن المبدأ الذي وضعه الباقلاني ، والذي يقضي بأن " ما لا دليل عليه يجب نفيه " ، يجعل المذهب كله مرهونا ل " نظريته " في الجواهر والأعراض لتوقف
--> ( 19 ) ابن خلدون . المقدمة . نفس المعطيات السابقة . ج 3 . ص 1046 - 1047 .