ابن رشد

28

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

الاستدلال عليها ، سواء الاستدلال على وجود الله أو على علاقة صفاته بذاته أو ما يتعلق بأفعاله وطبيعة أفعال الإنسان وما يصدر عن الكائنات الأخرى الخ . . . هذا في حين أن جميع ما قالوه بصدد " الجواهر " و " الأعراض " هو مجرد تخمينات وتحكمات لا أساس لها لا في الدين ولا في العقل - كما سيبين ابن رشد - وإنما هي افتراضات مطّطها الجدال بين المعتزلة وبين خصومهم من أهل الملل والنحل ، وفرّعتها الإلزامات والإلزامات المضادة . أما الجويني الذي " اتخذه الناس إماما لعقائدهم " ، كما يقول عنه ابن خلدون ، فهو لم يأت بجديد ، وإنما جمع أطراف المذهب على أساس ما قرره سلفه ، وصاغه صياغة تقريرية تجنب فيها ذلك الأسلوب الجدالي الذي تميزت به كتابات الباقلاني ومعاصريه ، أسلوب " فإن قالوا . . . قلنا " الخ . . . حقا ، يتمتع أبو المعالي الجويني بمكانة مرموقة بين الأشاعرة ، ويرجع ذلك بالخصوص إلى كونه كان الشخصية المبرزة في " محنة الأشاعرة " سنة 445 ه على يد الكندري وزير طغرل بك . كان الكندري معتزليا ضيق الخناق على الأشاعرة والشافعية وطارد زعماءهم وفي مقدمتهم أبو المعالي الجويني فاضطروا إلى مغادرة موطنهم خراسان ، فقصد الجويني الحج وجاور بمكة والمدينة نحو أربع سنوات " يدرس ويفتي ويجمع طرق المذهب " ومن هنا لقبه " إمام الحرمين " . وعندما عاد إلى بلده نيسابور بعد انتهاء المحنة انقطع إلى التدريس وكانت له حظوة كبرى لدى الوزير نظام الملك صاحب المدارس المسماة باسمه . كان عهد نظام الملك عهد ترسيم إيديولوجي للعقيدة الأشعرية ضدا على " المخالفين " عموما وبالخصوص منهم الباطنية . لقد تولى الجويني تقرير المذهب الأشعري في صورته النهائية وفي إطار طريقة المتقدمين وسيتولى تلميذه الغزالي المهمة الثانية ، مهمة الرد على الباطنية والفلاسفة . على أن الذي يجب أن لا يغيب عن انتباهنا هو الأهمية القصوى التي تكتسيها ، في تاريخ الفكر الأشعري ، تلك المدة الفاصلة ما بين الباقلاني والجويني ، وهي تغطي ثلاثة أرباع القرن الخامس الهجري ( توفي الباقلاني سنة 403 ه والجويني توفي سنة 478 ه ) . فلقد عرف المذهب الأشعري في هذه المدة تطورات هامة جدا على المستوى السياسي الإيديولوجي ، فقد تكرس مذهبا رسميا للدولة على عهد الخليفة العباسي القادر الذي دامت خلافته مدة طويلة ( من سنة 381 ه إلى سنة 422 ه ) وتميزت بتدخل الدولة بصورة مباشرة في المنازعات المذهبية الفقهية والكلامية .