ابن رشد

206

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 372 ] وأما الصنف الثالث ففي تأويله نظر « 81 » : لأن هذا الصنف لم يأت فيه التمثيل من أجل بعده على أفهام الجمهور ، وإنما أتى فيه التمثيل لتحريك النفوس إليه . وهذا مثل قوله عليه السلام : " الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض " ، وغيره مما أشبه هذا مما يعلم بنفسه أو بعلم قريب أنه مثال ، ويعلم بعلم بعيد لما ذا هو مثال . فإن الواجب في هذا ألا يتأوله إلا الخواص من العلماء « 82 » . ويقال للذين شعروا أنه مثال ، ولم يكونوا من أهل العلم لما ذا هو مثال : إما أنه من المتشابه ( 73 / ظ ) الذي يعلمه العلماء الراسخون « 83 » . وإما أن ينقل التمثيل فيه لهم إلى ما هو أقرب من معارفهم أنه مثال . وهذا كأنه أولى من جهة إزالة الشبهة التي في النفس من ذلك . [ 373 ] والقانون « 84 » - وهو أقرب إليّ في هذا النظر - هو ما سلكه أبو حامد في كتاب " التفرقة " ، وذلك بأن يعرّف هذا الصنف ( - من الناس ) أن الشيء الواحد بعينه له وجودات خمس : الوجود الذي يسميه أبو حامد : الذاتي ، والحسي ، والخيالي ، والعقلي ، والشبهي . « 62 » فإذا وقعت المسألة نظر أيّ هذه الوجودات

--> ( 62 ) ميز الغزالي بين " خمس مراتب " في الوجود : 1 ) " الوجود الذاتي " وهو يقع " خارج الحس والعقل ولكن يأخذ عنه الحس والعقل صورة ، فيسمى أخذه إدراكا وهذا كوجود السماوات والأرض والنبات " الخ . . . 2 ) " الوجود الحسي " وهو " يتمثل في القوة الباصرة من العين مما لا وجود له خارج العين فيكون موجودا في الحس ولا يشاركه غيره ، وذلك كما يشاهده النائم بل كما يشاهد المريض المتيقظ إذ تتمثل له صورة ، ولا وجود لها خارج حسه " . 3 ) " الوجود الخيالي " وهو " صورة هذه المحسوسات إذا غابت عن حسك فإنك تقدر أن تخترع في خيالك صورة فيل وفرس وإن كنت مغمض عينيك " . 4 ) " الوجود العقلي " وهو " أن يكون للشيء روح وحقيقة ومعنى فيتلقى العقل مجرد معناه دون أن يثبت صورته في خيال أو حس أو خارج ، ك " اليد " عندما يقصد بها القدرة والبطش " الخ . . . 4 ) " الوجود الشبهي " وهو " أن يكون نفس الشيء موجودا لا بصورته ولا بحقيقته لا في الخارج ولا في الحس ولا في الخيال ولا في العقل ولكن يكون شيئا آخر يشبهه في خاصة من خواصه على استحالة ثبوت نفس الغضب للّه تعالى ثبوتا ذاتيا وحسيا وخياليا وعقليا نزله على ثبوت صفة أخرى يصدر منها ما يصدر من الغضب كإرادة العقاب " . ( الغزالي . فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة . ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي . ج 3 . دار الكتب العلمية . بيروت . 1986 . ص . 121 وما بعدها ) . ( 81 ) أضفنا في المتن عبارة " أما الصنف الثالث ففي تأويله نظر " ليستقيم بها حديث ابن رشد عن الأصناف ، في بقية النسخ أضيف : " واما الصنف الثالث فالامر ليس فيه كذلك " . ( 82 ) . س ، ت . مل 1 : " الخواص والعلماء " ( 83 ) س : جاء في المتن شبح كلمة " الراسخون " . ( 84 ) . رسم بشكل كلمة " القانون " بخط عريض .