ابن رشد

207

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

الأربع هي أقنع عند الصنف الذي استحال عندهم أن يكون الذي عني به هو الوجود الذاتي ، أعني الذي هو خارج ، فينزل لهم هذا التمثيل على ذلك الوجود الأغلب على ظنّهم إمكان وجوده . [ 374 ] وفي هذا النحو يدخل قوله عليه السلام : " ما من نبي لم أره إلا وقد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار " « 63 » ، وقوله : " بين حوضي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي " « 64 » . وقوله " كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب " . فإن هذه كلها تدرك بعلم « 81 » قريب أنها أمثال وليس يدرك لما ذا هي أمثال إلا بعلم بعيد . فيجب في هذا أن ينزل للصنف الذين شعروا بهذا من الناس على أقرب تلك الوجودات الأربع شبها . فهذا النحو من التأويل إذا استعمل في هذه المواضع ، وعلى هذا الوجه ، ساغ في الشريعة . وأما إذا استعمل في غير هذه المواضع فهو خطأ . [ 375 ] وأبو حامد لم يفصّل الأمر في ذلك مثل أن يكون الموضع يعرف منه الأمران جميعا بعلم بعيد ، أعني كونه مثالا ولما ذا هو مثال ، فيكون هنالك شبهة توهم في بادئ الرأي أنه مثال ، وتلك الشبهة باطلة . فإن الواجب في هذا أن تبطل تلك الشبهة ولا يعرض للتأويل ، كما عرّفناك في هذا الكتاب في مواضع ( 74 / و ) كثيرة عرض فيها هذا الأمر للمتكلمين ، أعني الأشعرية والمعتزلة . [ 376 ] وأما الصنف الرابع ، وهو المقابل لهذا ، وهو أن يكون كونه مثالا معلوما « 82 » بعلم بعيد ، إلا أنه إذا سلم أنه مثال ، ظهر عن قرب « 83 » لما ذا هو مثال « 84 » ،

--> ( 63 ) البخاري : حدّثنا موسى بن إسماعيل قال : حدّثنا وهيب قال : حدّثنا هشام عن فاطمة عن أسماء قالت : أتيت عائشة وهي تصلّي فقلت ما شأن الناس ؟ فأشارت إلى السّماء ، فإذا النّاس قيام . فقالت سبحان اللّه ! قلت آية ؟ فأشارت برأسها : أي نعم . فقمت حتّى تجلاني الغشي فجعلت أصبّ على رأسي الماء ، فحمد اللّه عزّ وجلّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأثنى عليه ثمّ قال : " ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي حتّى الجنّة والنّار فأوحي إليّ أنّكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريب لا أدري أيّ ذلك " قالت أسماء من فتنة المسيح الدّجّال ، يقال ما علمك بهذا الرّجل . فأمّا المؤمن أو الموقن - لا أدري بأيّهما قالت أسماء - فيقول : هو محمّد رسول اللّه جاءنا بالبيّنات والهدى فأجبنا واتبعنا ، هو محمّد ثلاثا . فيقال : نم صالحا قد علمنا إن كنت لموقنا به . وأمّا المنافق أو المرتاب - لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء - فيقول : لا أدري سمعت النّاس يقولون شيئا فقلته " . ( 64 ) البخاري حدثني إبراهيم بن المنذر حدثنا أنس بن عياض عن عبيد اللّه عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي " . ( 81 ) . س : " بأمر " ( 82 ) س . " معلوم " ( 83 ) . في بقية النسخ عن قريب . . ( 84 ) ت : سقط " مثال " .