ابن رشد
203
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
يكون التمثيل الذي في شريعتنا هذه أتمّ إفهاما لأكثر الناس ، وأكثر تحريكا لنفوسهم إلى ما هنالك . والأكثر هم المقصود الأول بالشرائع . [ 356 ] وأما التمثيل الروحاني فيشبه أن يكون أقل تحريكا لنفوس الجمهور إلى ما هنالك . والجمهور أقل رغبة فيه وخوفا له منهم في التمثيل الجسماني . ولذلك يشبه أن يكون التمثيل الجسماني أشد تحريكا إلى ما هنالك من الروحاني . والروحاني أشد قبولا عند المتكلمين المجادلين من الناس ، وهم الأقل . [ 357 ] ولهذا المعنى نجد أهل ( 72 / و ) الإسلام في فهم التمثيل الذي جاء في ملتنا في أحوال المعاد ثلاث فرق : - فرقة رأت أن ذلك الوجود هو بعينه هذا الوجود الذي هاهنا من النعيم واللذة ، أعني أنهم رأوا أنه واحد بالجنس ، وأنه إنما يختلف الوجودان بالدوام والانقطاع ، أعني أن ذلك دائم ، وهذا منقطع . وطائفة رأت أن الوجود متباين . وهذه انقسمت قسمين : - فطائفة رأت أن الوجود الممثل بهذه المحسوسات هو روحاني ، وأنه إنما مثّل به إرادة البيان . ولهؤلاء حجج كثيرة من الشريعة مشهورة ، فلا معنى لتعديدها . - وطائفة رأت أنه جسماني لكن اعتقدت أن تلك الجسمانية الموجودة هنالك مخالفة لهذه الجسمانية ، لكون هذه بالية وتلك باقية . ولهذه أيضا حجج من الشرع . [ 358 ] ويشبه ابن عباس أن يكون ممن يرى هذا الرأي ، لأنه روي عنه أنه قال ليس في الدنيا من الآخرة إلا الأسماء . ويشبه أن يكون هذا الرأي هو أليق بالخواص ، وذلك أن إمكان هذا الرأي ينبني على أمور ليس فيها منازعة عند الجميع : أحدها أن النفس باقية . والثاني أنه ليس يلحق عن عودة النفس إلى أجسام أخر المحال الذي يلحق عن عودة تلك الأجسام بعينها . [ 359 ] وذلك أنه يظهر أن مواد الأجسام التي هاهنا توجد متعاقبة ومنتقلة من جسم إلى جسم . وأعني أن المادة الواحدة بعينها توجد لأشخاص كثيرة في أوقات مختلفة . وأمثال هذه الأجسام ليس يمكن أن توجد كلها بالفعل ، لأن مادتها هي واحدة ، مثال ذلك أن إنسانا مات واستحال جسمه إلى التراب ، واستحال ذلك التراب