ابن رشد
204
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
إلى نبات ، فاغتذى إنسان آخر من ذلك النبات ، فكان منه مني تولد منه إنسان آخر . وأما إذا فرضت أجسام أخر فليس تلحق هذه الحال ( 72 / ظ ) . [ 360 ] والحق في هذه المسألة أنّ فرض كل إنسان فيها هو ما أدى إليه نظره فيها ، بعد أن لا يكون نظرا يفضي إلى إبطال الأصل جملة ، وهو إنكار الوجود جملة . فإن هذا النحو من الاعتقاد يوجب تكفير صاحبه لكون العلم بوجود هذه الحال للإنسان معلوما للناس بالشرائع والعقول . فهذا كله ينبني على بقاء النفس . [ 361 ] فإن قيل : فهل في الشرع دليل على بقاء النفس أو تنبيه على ذلك ؟ قلنا : ذلك موجود في الكتاب العزيز وهو قوله تعالى : « اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها » الآية ( - « فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » الزمر 42 ) . ووجه الدليل في هذه الآية أنه سوى فيها بين النوم والموت في تعطيل فعل النفس . فلو كان تعطل فعل النفس في الموت لفساد النفس لا بتغير آلة النفس ، لقد كان يجب أن يكون تعطل فعلها في النوم لفساد ذاتها . ولو كان ذلك كذلك لما عادت عند الانتباه على هيئتها . فلما كانت تعود عليها ، علمنا أن هذا التعطل لا يعرض لها لأمر لحقها في جوهرها ، وإنما هو شيء لحقها من قبل تعطل آلتها ، وأنه ليس يلزم إذا تعطلت الآلة أن تتعطل النفس . والموت هو تعطل ، فواجب أن يكون للآلة كالحال في النوم . وكما يقول الحكيم ( - أرسطو ) : إن الشيخ لو وجد عينا كعين الشاب لأبصر كما يبصر الشاب . * * * [ 362 ] فهذا ما رأينا أن نثبته في الكشف عن عقائد هذه الملة التي هي ملتنا ، ملة الإسلام . وقد بقي علينا مما وعدنا به أن ننظر فيما يجوز من التأويل في الشريعة ، وما لا يجوز وما جاز منه فلمن يجوز . ونختم به القول في هذا الكتاب . فنقول :