ابن رشد

196

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

فهي المشيئة السابقة التي اقتضت أن يكون في أجناس الموجودات خلق ضالون . أعني : مهيئين للضلال بطباعهم ، ومسوقين إليه بما تكنفهم من الأسباب المضلة من داخل ومن خارج . وأما قوله : « وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها » معناه : لو شاء ألا يخلق خلقا مهيئين أن يعرض لهم الضلال ، إما من قبل طباعهم وإما من قبل الأسباب التي من خارج ، أو من قبل الأمرين كليهما ، لفعل . ولكون خلقه الطباع في ذلك مختلفة عرض أن تكون بعض الآيات مضلة لقوم وهداية لقوم ، لا أن هذه الآيات مما قصد بها الإضلال . مثل قوله تعالى : « يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ » ( البقرة 26 ) . ومثل قوله تعالى : « وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ » ( الإسراء 60 ) ، ومثل قوله في أثر تعديده ملائكة النار : « كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ » ( المدثر 31 ) . أي أنه يعرض للطبائع الشريرة أن تكون هذه الآيات في حقهم مضلة كما يعرض للأبدان الرديئة أن تكون الأغذية النافعة مضرة بها . [ 326 ] فإن قيل فما الحاجة إلى خلق صنف من المخلوقات يكونون بطباعهم مهيئين للضلال ، وهذا هو غاية الجور ؟ قيل : إن الحكمة الإلهية اقتضت ذلك . وأن الجور كان يكون في غير ذلك . وذلك أن الطبيعة التي منها خلق الإنسان ، والتركيب الذي ركب عليه ، اقتضى أن يكون بعض الناس ، وهم الأقل شرارا بطباعهم . وكذلك الأسباب المترتبة من خارج لهداية الناس لحقها أن تكون لبعض الناس مضلة وإن كانت للأكثر مرشدة . [ 327 ] فلم يكن بد ، بحسب ما تقتضيه الحكمة ، من أحد أمرين : إما أن لا يخلق الأنواع التي توجد فيها الشرور في الأقل والخير في الأكثر ، فيعدم الخير الأكثر بسبب الشر الأقل . وإما أن يخلق هذه الأنواع فيوجد ( 68 / ظ ) فيها الخير الأكثر مع الشر الأقل . ومعلوم بنفسه أن وجود الخير الأكثر مع الشر الأقل أفضل من إعدام الخير الأكثر ، لمكان وجود الشر الأقل . [ 328 ] وهذا السر من الحكمة هو الذي خفي على الملائكة حين قال اللّه سبحانه حكاية عنهم ، حين أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة ، يعني بني آدم ، « قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ » إلى قوله « إِنِّي أَعْلَمُ ما