ابن رشد

197

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

لا تَعْلَمُونَ » * ( - « نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ؟ قالَ : إِنِّي أَعْلَمُ » ( البقرة 30 ) . يريد أن العلم الذي خفي عنهم هو أنه إذا كان وجود شيء من الموجودات خيرا وشرا ، وكان الخير أغلب عليه ، أن الحكمة تقتضي إيجاده لا إعدامه . [ 329 ] فقد تبين من هذا القول كيف ينسب إليه الإضلال مع العدل ونفي الظلم . وأنه إنما خلق أسباب الضلال ، لأنه يوجد عنها غالبا الهداية أكثر من الإضلال . وذلك أن من الموجودات ما أعطي من أسباب الهداية أسبابا لا يعرض فيها إضلال أصلا ، وهذه هي حال الملائكة . ومنها ما أعطي من أسباب الهداية أسبابا يعرض فيها الإضلال في الأقل ، إذ لم يكن في وجودهم أكثر من ذلك ، لمكان التركيب . وهذه هي حال الإنسان . [ 330 ] فإن قيل ، فما الحكمة في ورود هذه الآيات المتعارضة في هذا المعنى حتى يضطر الأمر فيها إلى التأويل ، وأنت تنفي التأويل في كل مكان ؟ [ 331 ] قلنا : إن تفهيم الأمر على ما هو عليه للجمهور في هذه المسألة اضطرهم إلى هذا . وذلك أنهم احتاجوا أن يعرّفوا بأن اللّه تعالى هو الموصوف بالعدل وأنه خالق كل شيء ، الخير والشر ، لمكان ما كان يعتقد كثير من الأمم الضلال : أن هاهنا إلهين ، إلها خالقا للخير ، وإلها خالقا للشر ، فعرّفوا أنه خالق الأمرين جميعا . [ 332 ] ولما كان الإضلال شرا ، وكان لا خالق له سواه ، وجب أن ينسب إليه كما ينسب إليه خلق الشر . لكن ليس ينبغي أن يفهم هذا على الإطلاق . لكن على أنه خالق للخير لذات الخير ، وخالق للشر من أجل الخير . أعني : من أجل ما يقترن به من الخير . فيكون على هذا خلقه عدلا منه . [ 333 ] ومثال ذلك أن النار خلقت لما فيها من قوام الموجودات التي ما كان يصح وجودها لولا وجود النار . لكن للشر عرض عن طبيعتها ( - النار ) أن تفسد بعض الموجودات . لكن إذا قويس بين ما يعرض عنها من الفساد الذي هو الشر ، وبين ما يعرض عنها من الوجود « 81 » الذي هو الخير ، كان وجودها أفضل من عدمها ، فكان خيرا .

--> ( 81 ) . ت : " الموجود " .