ابن رشد
189
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
[ 298 ] وإذا كان ذلك كذلك فالأفعال المنسوبة إلينا أيضا إنما يتم فعلها بإرادتنا وموافقة الأفعال التي من خارج لها ، وهي المعبر عنها بقدر اللّه . وهذه الأسباب التي سخرها اللّه من خارج ليست هي متممة للأفعال التي نروم فعلها أو عائقة عنها فقط ، بل وهي السبب في أن نريد أحد المتقابلين . فإن الإرادة إنما هي شوق يحدث لنا عن تخيل ما ، أو تصديق بشيء . وهذا التصديق ليس هو لاختيارنا ، بل هو شيء يعرض لنا عن الأمور التي من خارج . مثال ذلك أنه إذا ورد علينا أمر مشتهى من خارج اشتهيناه بالضرورة من غير اختيار ، فتحركنا إليه . وكذلك إذا طرأ علينا أمر مهروب عنه من خارج كرهناه بالضرورة ، فهربنا منه . وإذا كان هكذا فإرادتنا محفوظة بالأمور التي من خارج ومربوطة بها . وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى : « لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ » ( الرعد 11 ) . [ 299 ] ولما كانت الأسباب التي من خارج تجري على نظام محدود وترتيب منضود ، لا تخلّ في ذلك ، بحسب ما قدرها بارئها عليه ، وكانت إرادتنا وأفعالنا لا تتم ولا توجد بالجملة إلا بموافقة الأسباب التي من خارج ، فواجب أن تكون ( 64 / ظ ) أفعالنا تجري على نظام محدود . أعني : أنها توجد في أوقات محدودة ومقدار محدود . [ 300 ] وإنما كان ذلك واجبا ، لأن أفعالنا تكون مسببة عن تلك الأسباب التي من خارج . وكل مسبب يكون عن أسباب محدودة مقدرة ، فهو ضرورة محدود مقدر . وليس يلفى هذا الارتباط بين أفعالنا والأسباب التي من خارج فقط ، بل وبينها وبين الأسباب التي خلقها اللّه تعالى في داخل أبداننا . [ 301 ] والنظام المحدود الذي في الأسباب الداخلة والخارجة ، أعني التي لا تخل ، هو القضاء والقدر الذي كتبه اللّه تعالى على عباده . وهو اللوح المحفوظ . [ 302 ] وعلم اللّه تعالى بهذه الأسباب ، وبما يلزم عنها هو العلة في وجود هذه الأسباب . ولذلك كانت هذه الأسباب لا يحيط بمعرفتها إلا اللّه وحده . ولذلك كان هو العالم بالغيب وحده وعلى الحقيقة ، كما قال تعالى : « قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ » ( النمل 65 ) . وإنما كانت معرفة الأسباب هو العلم بالغيب لأن الغيب هو معرفة وجود الموجود في المستقبل ، أو لا وجوده .