ابن رشد
190
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
[ 303 ] ولما كان ترتيب الأسباب ونظامها هو الذي يقتضي وجود الشيء في وقت ما ، أو عدمه في ذلك الوقت ، وجب أن يكون العلم بأسباب شيء ما هو العلم بوجود ذلك الشيء ، أو عدمه في وقت ما . والعلم بالأسباب على الإطلاق هو العلم بما يوجد منها أو ما يعدم في وقت من أوقات جميع الزمان . فسبحان من أحاط اختراعا وعلما بجميع أسباب جميع الموجودات . وهذه هي مفاتح الغيب المعنية في قوله تعالى : « وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ » الآية ( - « وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » الأنعام 59 ) . [ 304 ] وإذا كان هذا كله كما وصفنا ، فقد تبين لك كيف لنا اكتساب ، وكيف جميع مكتسباتنا بقضاء وبقدر سابق . وهذا الجمع هو الذي قصده الشرع بتلك الآيات العامة والأحاديث ، ( 65 / و ) التي يظن بها التعارض ، وهي إذا خصصت عموماتها بهذا المعنى انتفى عنها التعارض . وبهذا أيضا تنحل جميع الشكوك التي قيلت في ذلك . أعني : الحجج المتعارضة العقلية ، أعني : أن كون الأشياء الموجودة عن إرادتنا يتم وجودها بالأمرين جميعا ، أعني : بإرادتنا وبالأسباب التي من خارج . فإذا نسبت الأفعال إلى واحد من هذين على الإطلاق لحقت الشكوك المتقدمة . [ 305 ] فان قيل : هذا جواب حسن ، يوافق الشرع فيه العقل . لكن هذا القول هو مبني على أن هاهنا أسبابا فاعلة لمسببات مفعولة ، والمسلمون قد اتفقوا على أن لا فاعل إلا اللّه ؟ ! [ 306 ] قلنا ما اتفقوا عليه صحيح . ولكن على هذا جوابان : أحدهما : أن الذي يمكن أن يفهم من هذا القول هو أحد أمرين : إما أنه لا فاعل إلا اللّه تبارك وتعالى وأن ما سواد من الأسباب التي يسخرها ليست تسمى فاعلة إلا مجازا : إذ كان وجودها إنما هو به ، وهو الذي صيرها موجودة أسبابا ، بل هو الذي يحفظ وجودها في كونها فاعلة ، ويحفظ مفعولاتها بعد فعلها ، ويخترع جواهرها عند اقتران الأسباب بها . وكذلك يحفظها هو في نفسها . ولولا الحفظ الإلهي لها لما وجدت زمانا مشارا إليه ، أعني : لما وجدت في أقل زمان يمكن أن يدرك أنه زمان .