ابن رشد

176

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 245 ] فلو كان الخصم قد اعترف بوجود رسول واحد في وقت من الأوقات ، لظهر أن الرسالة من الأمور الجائزة الوجود . وأما والخصم يدعي أن ذلك لم يحسّ بعد ، فالجواز الذي ندعيه إنما هو جهل بأحد المتقابلين ، أعني الإمكان والامتناع . [ 246 ] والناس الذين صح منهم إمكان وجود الرسل إنما صح لنا وجود هذا الإمكان لأنا قد أدركنا وجود الرسل منهم ، إلا أن نقول إن إحساس وجود الرسل من الناس يدل على إمكان وجودهم من الخالق ، كما أن وجود الرسول من عمرو يدل على إمكان وجوده من زيد . فهذا يقتضي تساوي الطبيعتين ، ففيه هذا العسر . [ 247 ] وإن فرضنا هذا الإمكان في نفسه ، ولو كان في المستقبل ، لكان إمكانا بحسب الأمر في نفسه « 81 » لا بحسب علمنا . وأما وأحد المتقابلين من هذا الإمكان قد خرج إلى الوجود ، فإنما هذا الإمكان في علمنا والأمر في نفسه متقرر الوجود على أحد المتقابلين ، أعني أنه أرسل أو لم يرسل ، فليس عندنا من ذلك إلا جهل فقط ، . مثل أن يشك « 82 » في عمرو هل أرسل رسولا فيما سلف أو لم يرسل . وذلك بخلاف ما إذا شككنا فيه ، هل « 83 » يرسل رسولا غدا أم « 84 » لا ، فإنه إذا جهلنا من زيد مثلا هل أرسل رسولا فيما مضى ، أو لم يرسل ، لم يصح لنا الحكم أن من ظهر علامة زيد عليه فهو له رسول ، إلا أن يعلم أن تلك علامة رسوله ، وذلك بعد أن يعلم أنه قد أرسل رسولا . [ 248 ] وإلى هذا كله ، فمتى سلمنا أن الرسالة موجودة ( 58 / و ) . والمعجز موجود ، فمن أين يصح لنا أن من ظهر على يديه المعجز فهو رسول ؟ وذلك أن هذا الحكم ليس يمكن أن يؤخذ من السمع ، إذ السمع لا يثبت من قبل هذا الأصل ، فيكون من باب تصحيح الشيء بنفسه ، وذلك فاسد . ولا سبيل إلى أن يدّعي صحة هذه المقدمة بالتجربة والعادة ، إلا إذا شوهدت المعجزات ظاهرة على أيدي الرسل ، أعني من يعترف بوجود رسالتهم ، ولم تشاهد على أيدي غيرهم ، فتكون حينئذ علامة قاطعة على تمييز من هو رسول من عند اللّه ممن ليس برسول ، أعني بين من دعواه صادقة ، وبين من دعواه كاذبة .

--> ( 81 ) . ت ، مل 1 : سقط " في نفسه " ( 82 ) . في بقية النسخ " شك " . ( 83 ) . ت : سقط " هل " ( 84 ) . ت ، مل 1 : " أو " . مل 2 : راجعه فصححه : أم .