ابن رشد

177

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 249 ] فمن هذه الأشياء يرى أن المتكلمين ذهب عليهم هذا المعنى من وجه دلالة المعجز . وذلك أنهم أقاموا الإمكان مقام الوجود ، أعني الإمكان الذي هو جهل . ثم صححوا هذه القضية ، أعني أن كل من وجد منه المعجز فهو رسول . وليس يصح هذا إلا أن يكون المعجز يدل على الرسالة نفسها وعلى المرسل . وليس في قوة الفعل « 81 » العجيب الخارق للعوائد ، الذي يرى الجميع أنه إلهي ، أن يدل على وجود الرسالة دلالة قاطعة ، إلا من جهة ما يعتقد أن من ظهرت عليه أمثال هذه الأشياء فهو فاضل ، والفاضل لا يكذب . بل إنما يدل على أن هذا رسول إذا سلّم أن الرسالة أمر موجود ، وأنه ليس يظهر هذا الخارق على يدي أحد من الفاضلين إلا على يدي رسول . [ 250 ] وإنما كان المعجز ليس يدل على الرسالة لأنه ليس يدرك العقل ارتباطا بينهما ، إلا أن يعترف أن المعجز فعل من أفعال الرسالة ، كالإبراء الذي هو فعل من أفعال الطب ، فإنه من ظهر منه فعل الإبراء دل « 82 » على وجود الطب ، وأن ذلك طبيب . فهذا أحد ما في هذا الاستدلال من الوهن . [ 251 ] وأيضا فإذا اعترفنا بوجود الرسالة على أن ننزل الإمكان الذي هو الجهل ( 58 / ظ ) منزلة الوجود ، وجعلنا المعجزة « 83 » دالة على صدق الشخص المدعي الرسالة ، وجب ضرورة أن لا تكون دلالتها لازمة لمن يجوّز أن المعجز قد يظهر على يدي غير رسول ، على ما يفعله المتكلمون ، لأنهم يجوزون ظهورها على يدي الساحر ، وعلى يدي الولي . [ 252 ] وأما ما يشترطونه ، لمكان هذا ، من أن المعجز إنما يدل على الرسالة ، بمقارنة دعوى الرسالة له « 84 » ، وأنه لو ادّعى الرسالة من شأنه أن يظهر على يديه ، ممن ليس برسول ، لم يظهر على يديه « 85 » فدعوى ليس عليها دليل . فإن هذا غير معلوم لا بالسمع ولا بالعقل . أعني أنه إذا ادّعى من تظهر على يديه دعوى كاذبة ، أنه لا يظهر على يديه المعجز . لكن ، كما قلنا ، لما كان لا يظهر من

--> ( 81 ) . س ، ت ، مل 1 : " العقل " . ورد في قا أنه ثبت " الفعل " في مخطوط التيمورية 129 ، وهذا ما تبناه قا ( 82 ) . ت : سقط " دل " ( 83 ) . س : ثبت في المتن " المعجزة التي هي " ، وجاء رمز " ج " فوق كلمتي " التيهي " لتسقطا . ( 84 ) . ت : سقط " له " ( 85 ) . ت ، مل 1 : سقط " على يديه " .